اقتصاد السعودية

نظام الرقابة المالية .. من "مكافحة الهدر" إلى "حصانة الاقتصاد" السعودي

جمال بنون
جمال بنون
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
4 دقائق للقراءة

رحلة التحول الاقتصادي الطموحة التي تخوضها المملكة، والمتمثلة في رؤية 2030، لا يمكن أن تكتمل دون بناء جدار صلب يحمي المال العام ويرفع كفاءة الإنفاق إلى أعلى مستوياتها؛ فكل ريال يتم توفيره من الهدر أو يُعاد توجيهه بفعالية هو بمثابة استثمار جديد يضاف إلى قوة الاقتصاد الوطني. ولطالما شكلت مكافحة الهدر المالي وتأصيل الشفافية والمساءلة التحدي الأكبر لأي إدارة مالية عامة حديثة، حيث يتطلب الأمر منظومة تشريعية لا تكتفي بـ "علاج" المخالفات بعد وقوعها، بل تسعى إلى "منعها" قبل حدوثها.

من هنا تنبع الأهمية الجوهرية للقرار الأخير بالموافقة على نظام الرقابة المالية، الذي لم يأتِ ليضيف بنداً روتينياً، بل ليؤسس مرحلة جديدة من النضج المؤسسي في إدارة المال العام. هذا النظام، الذي يحل محل نظام الممثلين الماليين القديم جداً، لا يمثل مجرد تحديث تشريعي، بل هو إطار عمل متكامل ينقل الرقابة المالية من كونها وظيفة مكتبية إلى أداة استراتيجية لـ بناء القدرات. فبينما تسعى وزارة المالية للقيام بـ "رقابة مباشرة" على الإجراءات والعمليات ذات الأثر المالي، فإنها لا تلغي دور الجهات الأخرى، بل تسعى لتنظيم الأدوار وتكاملها، لتصبح شبكة الرقابة أكثر إحكاماً ومنسقة بلا تضارب، وهو ما يعزز الثقة في الإجراءات الحكومية. إن جوهر الإضافة هنا هو التركيز على مساعدة الجهة الخاضعة للرقابة على تعزيز أنظمة الرقابة الداخلية لديها؛ بعبارة أخرى، الهدف ليس فقط توبيخ الجهة على خطأ ارتكبته، بل تمكينها من عدم ارتكاب الخطأ مستقبلاً، وهذا هو المقصود الحقيقي برفع مستوى النضج المؤسسي.

وعند النظر إلى التجارب الدولية الرائدة، نجد أن التوجه السعودي يتماشى تماماً مع أفضل النماذج العالمية في إصلاحات إدارة المالية العامة. فالولايات المتحدة، على سبيل المثال، لديها نظام رقابة مالية داخلي صارم يعتمد على "مراقبي الحسابات العموميين" الذين يركزون على تقييم فعالية الرقابة الداخلية للجهات الاتحادية، وهو ما يطلق عليه الرقابة على الأداء وليس مجرد رقابة على الامتثال. كذلك، نموذج بريطانيا يركز على اللامركزية في المسؤولية المالية مع وجود إشراف مركزي قوي عبر وزارة الخزانة، حيث يتم تمكين الجهات الحكومية من إدارة ميزانياتها مقابل تحقيق مؤشرات أداء محددة بدقة. أما في أوروبا القارية، فتشتهر فرنسا بنموذجها الذي يدمج "المراقب المالي" ضمن الجهة، ليصبح شريكاً استراتيجياً يسهم في اتخاذ القرار المالي المستنير، وهو نهج يتشابه مع الدور الجديد الذي سيقوم به المراقب المالي في النظام السعودي. هذه النماذج العالمية تؤكد أن الفصل بين الرقابة المسبقة (التي تقوم بها الوزارة) والتدقيق اللاحق (الذي تقوم به الجهات الرقابية العليا) هو الممارسة الفضلى لضمان الحماية الشاملة للمال العام.

أما في ملف الشفافية والمساءلة، فإن النظام يضع الموظف الرقابي في قلب المعادلة، مطالباً إياه بـ "بذل العناية المهنية الواجبة" و"الإفصاح عن حالات تعارض المصالح"، مع منحه في الوقت ذاته حق الاطلاع على المستندات السرية لإنجاز مهمته. هذا التوازن بين الصلاحية والمسؤولية يخلق بيئة عمل لا تسمح بالتراخي أو التستر، وتجعل من النزاهة شرطاً أساسياً للعمل الرقابي. كما أن شمول الرقابة للجهات التي تتلقى دعماً من الدولة أو تعمل نيابة عنها في تحصيل الإيرادات العامة يضمن أن يد الرقابة تصل إلى كل نقطة تماس مع خزينة الدولة، مما يغلق منافذ الهدر المحتملة.

الأثر الاقتصادي لهذا القرار ليس هامشياً، بل هو هيكلي وبعيد المدى؛ فعندما تصبح كفاءة الإنفاق الحكومي مضمونة تشريعياً وإجرائياً، فإن ذلك يطلق استثمارات إضافية في قطاعات التنمية، ويقلل الحاجة إلى الاقتراض أو الاعتماد على تقلبات أسعار النفط، ويدعم بشكل مباشر استراتيجية تنمية الإيرادات غير النفطية. والأهم من ذلك، أن الشفافية والمساءلة المعلنة، والمستندة إلى أفضل الممارسات الدولية، تزيد من ثقة المستثمر الأجنبي والمواطن في صلابة النظام الاقتصادي والمؤسسات العامة في المملكة، مما يجعلها وجهة أكثر جاذبية للاستثمارات الكبرى التي تبحث عن بيئات عمل ذات حوكمة عالية، ليصبح نظام الرقابة المالية الجديد بذلك ركيزة أساسية لضمان استدامة النمو وتحقيق الرفاه الاقتصادي المنشود.

* نقلا عن صحيفة "مال"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط