ضريبة الأراضي البيضاء اقتصادياً
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
الأرض، وما أدراك ما الأرض، فهي عنصر من عناصر الإنتاج وهي كذلك أصل مالي واستثماري وفوق كل ذلك هي مورد نادر له أهمية بيئية. ولذا، من الصعب النظر للأرض من زاوية واحدة. وقد تطور تناول الأرض في الفكر الاقتصادي تطوراً كبيراً خضع لتحولات طبقاً للتحول في استخدام الأراضي ومحوريتها، وتحول الاقتصادات من زراعية ورعوية إلى صناعية وبالقطع فقد أثر اتساع مساهمة الخدمات والرقمنة في اقتصادات الدول إلى تجديد النظر في الأهمية الاقتصادية للأرض، لكن يبقى للأرض أهمية لا تُنافس في حياة المجتمعات وتكوين المدن والبلدات والقرى وما تتطلبه تلك المجتمعات من سكن ومن متطلبات حياة، وقد ساهم التطور وارتقاء مستوى الرفاهية في التوسع في استخدام الأراضي لتعزيز متطلبات الترفيه والاستجمام وبقية الخدمات الاجتماعية والشخصية.
ضريبياً، شغلت قضية "الأراضي غير المطورة" أو ما نسميه اليوم "الأراضي البيضاء" الاقتصاديين دهوراً، من منطلق أن مالكها يكسب بمجرد الاحتفاظ بها وأن ذلك بحاجة إلى علاج، ولا عجب أن تناول "آدم سميث" الموضوع في كتابه "ثروة الأمم" المنشور في العام 1776، اقتصاديات الأراضي غير المطورة كجزء أساسي من نظريته في الريع، وأثرت أفكاره في الفكر الاقتصادي بشأن المضاربة العقارية والضرائب على الأراضي البيضاء، وتناول سميث النقطة الجوهرية وهي: كيف يرتفع ريع الأراضي مستفيداً من التحسينات الاجتماعية (مثل البنية التحتية أو نمو السكان)، مما يجعل الاحتفاظ بالأراضي غير المطورة مربحاً للمالك دون جهد، وفيما يخص فرض رسم على الأرض غير المطورة فيرى سميث يرى أن ريع الأرض (بما في ذلك ground-rents أو ريع الأرض الخام) هو أفضل مصدر للضرائب، لأنه لا يُثبط الإنتاج أو الاستثمار في التحسينات، على اعتبار -من وجهة نظر سميث- أن الضريبة على ريع الأرض يتحملها المالك تماماً، وبذلك لا تؤثر سلباً على الاقتصاد، بل قد تشجع الاستخدام الأفضل للأرض. ويتفق معه الاقتصادي المعاصر جوزيف ستيغليتز الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد، وكذلك الاقتصادي رائد الاتجاه النقدي في الاقتصاد ميلتون فريدمان الحائز على جائزة نوبل في الاقتصادي، إذ وصفها بأنها أقل الضرائب سوءاً، مبرراً ذلك بثلاثة أسباب:
1. غير مشوهة للاقتصاد (Non-distortionary):، فعَرض الأرض ثابت وغير مرن، وبذلك ففرض ضريبة عليها لا يقلل من كميتها أو يثبط الإنتاج، بخلاف الضرائب على الدخل، أو العمل، أو التجارة، أو الاستهلاك التي تقلل الكفاءة الاقتصادية.
(2) لا تثبط الاستثمار: لا تؤثر على بناء المباني أو التحسينات، بل قد تشجع التطوير لأن الاحتفاظ بالأراضي الخالية يُصبح مكلفاً.
(3) أنها أفضل من الضرائب الأخرى من حيث أنها توفر إيرادات حكومية دون تقييد بالحرية الاقتصادية والنمو مقارنة ببقية الضرائب التي تتناول الاستهلاك أو الإنتاج.
أما "رأس حربة" الاقتصاديين المناصرين لفرض ضريبة على الأراضي غير المطورة فهو الاقتصادي هنري جورج، أحد أبرز الاقتصاديين الأمريكيين في القرن التاسع عشر، فله كتاب حظي برواج واسع وبقي محل تأثير كبير، عنوانه "التقدم والفقر" (Progress and Poverty ) نشر في العام 1897، حيث يرى أن السبب الجذري لمشكلة الفقر هو الملكية الخاصة للأرض واحتكارها، وتحديداً الأراضي غير المطورة أو البيضاء، وبالتأكيد فنظرته القطعية تلك كانت متأثرة إلى حدٍ بعيد بالأوضاع الاقتصادية السائدة والسيطرة على اقطاعات شاسعة من الأراض لدى القلة، وهو يرى أن الضريبة الوحيدة التي ينبغي ان تفرض هي ضريبة الأراضي غير المطورة ولا تفرض ضريبة سواها. وترتكز مبررات هنري جورج إلى أساس نظري هو أن قيمة الأرض ترتفع ليس بجهد مالكها، بل بسبب نمو المجتمع وزيادة سكانه والاستثمارات العامة للحكومة في البنية التحتية من طرق ومدارس وخدمات، وأن هذا الارتفاع هو "ريع غير مكتسب" (unearned increment ).
ولذا يجب أن يعود للمجتمع ككل وليس لمالك الأرض، حسب تعبير الاقتصادي هنري جورج، مضيفاً أن المضاربة على الأراضي تلحق مضاراً بالاقتصاد من حيث ارتفاع أسعار الأراضي والايجارات ،ونقص العرض العقاري، وتعاقب فقاعات الأراضي. أما الحل المقترح من قبل الاقتصادي هنري جورج -كما سبقت الإشارة- فهو فرض ضريبة مفردة على قيمة الأرض ولا ضريبة سواها، تكون مرتفعة بما يجعل الاحتفاظ بالأراضي غير المطورة مُكلفاً، مما يدفع الملاك إلى : بنائها، او بيعها لمن يطورها، ما يؤدي إلى زيادة العرض العقاري وانخفاض الأسعار.
اقتصادياً، القطاع العقاري مولد ضخم للقيمة الاقتصادية، فالدولار الذي يضخ "يولّد" ثلاثة دولارات في المتوسط، ومستهدف رؤية السعودية 2030 فهو أن يساهم قطاع العقار بعشرة بالمائة من الناتج المحلي الاجمالي في العام 2030، لكن ارتفاع أسعار الأراضي يلحق أضراراً اجتماعية-اقتصادية متوالية، إذ يعمل في الاتجاه المضاد فيزيد من صعوبة تملّك السكن للفقراء والطبقة الوسطى، واتساع ظاهرة المضاربة العقارية، وتحوّل جزء كبير من الثروة من الدخل المنُتج إلى الريع (أي عائد ناتج عن مجرد ملكية الأصل وليس من الإنتاج الفعلي والاضافة للناتج المحلي الإجمالي وخلق وظائف). فضلاً عن أن ارتفاع أسعار الأراضي يزيد من مخاطر "الفقاعات العقارية". وينظر أن للضرائب على الأراضي والعقارات كأداة للحد من المضاربات.
وفي خطوة للحث على تسريع عجلة القطاع، أُصدِرَت في اليوم الأول من هذا العام 60 ألف فاتورة لرسوم الأراضي البيضاء في مدينة الرياض على الأراضي غير المطورة التي تزيد مساحتها (أو مجموع مساحات المالك) عن 5000 متر مربع ضمن النطاقات العمرانية المحددة، والرسوم سنوية ومتدرجة حسب شرائح الأولوية في التطوير العمراني:
الشريحة الأولى (أولوية قصوى): 10% من قيمة الأرض.
الشريحة الثانية: 7.5%.
الشريحة الثالثة: 5%.
الشريحة الرابعة: 2.5%.
الشريحة الخامسة (غير خاضعة حالياً)
عودة على التناول الاقتصادي لفرض ضريبة على الأراضي البيضاء في السعودية، فالهدف المعلن الأساس للضرببة هو تحفيز تطوير الأراضي، وبالتالي زيادة المعروض العقاري، وبالتالي تحقيق توازن في السوق العقارية في الرياض، وهي سوق غير متوازنة حالياً، حيث لا يجاري فيها العرض الطلب، وينعكس ذلك في عدم استقرار الأسعار ولا الايجارات.
وبالتأكيد فإن فكرة هنري جورج بان تكون ضريبة الأراضي هي ضريبة واحدة لا ضريبة سواها، لم تحظى تأييداً في أوساط الاقتصاديين، بما في ذلك اللذين أيدوه في أهمية فرض ضريبة على الأراضي الخالية، فأخذاً في الاعتبار ما تجنيه الدول التي تطبق ضريبة على الأراضي، فقد تراوح تأثيرها بين1%-8% من اجمالي الايرادات في تلك الدول.
وإذا نظرنا إلى الأمر من الزاوية الأخرى، زاوية ملاك الأراضي فالأسلوب الأنجع هو مسارعة من تصله فاتورة إلى تطوير الأرض، وبذلك يحقق الهدف الاستثماري، بأن يستفيد عملياً من ريع البناء بيعاً او إيجاراً، ويساهم في تحقيق الهدف الاقتصادي عبر زيادة العرض وبالتالي المساهمة في تحقيق التوازن. السوق أي استقرارها.
لكن ثمة متطلبات سابقة ينبغي توفرها حتى يستطيع مالك الأرض الخالية (البيضاء) تطوير الأرض، وتوفير هذه المتطلبات هو الذي سيساعد في تسريع وتيرة التطوير، وهي: سرعة فسخ مخططات الأراضي من قبل البلديات والأمانات وهيئات التطوير، واقرار الرسومات التفصيلية ضمن نافذة زمنية محددة، وتوفر مقاولين مؤهلين قادرين على إتمام تطوير البنية التحتية وفق المتطلبات التنظيمية، والتزام شركات من ماء وكهرباء واتصالات على إيصال خدماتها دون تسويف وضمن سقف زمني مُلزم، وثمة متطلبات إضافية لا تقل أهمية وهي تتصل بالتمويل من خلال الصناديق العقارية وما يتطلبه ذلك من موافقات من الجهات التنظيمية وفي مقدمتها هيئة السوق المالية، وكذلك الإقراض طويل المدى للعمل كرافعة للاستثمار العقاري، وكذلك القروض قصيرة المدى لتغطية متطلبات التدفقات المالية.
وختاماً، لا يخفى أن للتطوير العقاري تأثير اقتصادي وازن مباشر وغير مباشر ومستحدث، نابع من تأثيره على دائرة واسعة من الأنشطة الاقتصادية ذات الصلة عبر السلع والخدمات التي تنتجها وتقدمها تلك الأنشطة لإنجاز التطوير العقاري، فضلاً عن "أثر المضاعف الاقتصادي" (Economic Multiplier Effect) المرتفع الذي يقدر بحوالي 3 أضعاف لكل وحدة نقدية تنفق، وأن المكسب الكبير هو استقطاب أكبر قدر من الاستثمارات لهذا القطاع لتسريع عجلة التطوير، فهو نشاط يؤثر على جل الأنشطة الاقتصادية لارتباطاته الكثيفة أمامياً وخلفياً، ما يعني أنه لا يمكن اعتبار أن ضريبة الأراضي البيضاء هي المحفز الأساس لتنشيط التطوير العقاري وتنشيطه إذ لابد من تحفيز حزمة متكاملة من المبادرات تعمل باتساق وتناغم كالتروس في الآلة لتحقيق المستهدف.
* نقلا عن صحيفة "مال"