سوق السعودية

السيولة المصرفية وسوق الأسهم السعودية: قراءة في تداعيات الاقتراض الخارجي القياسي

م. عبدالله عودة الغبين
م. عبدالله عودة الغبين
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
4 دقائق للقراءة

يعكس التسارع القياسي في اقتراض البنوك السعودية من الأسواق الدولية خلال عام 2025 مرحلة دقيقة يمر بها النظام المالي. تداخلت متطلبات تمويل النمو الاقتصادي السريع مع تحديات السيولة المحلية، وهو ما ألقى بظلال مباشرة وغير مباشرة على سلوك المستثمرين وتقييمات سوق الأسهم. فبحسب ما أوردت صحيفة فايننشال تايمز في 21 يناير 2025، لجأت البنوك السعودية إلى الاقتراض الخارجي بما يقارب 33 مليار دولار خلال العام الماضي . جاء ذلك نتيجة نمو القروض بوتيرة أسرع من الودائع، في سياق توسع ائتماني واسع مرتبط بتمويل مشاريع التحول الاقتصادي ورؤية 2030، ونمو القطاع الخاص. هذا الواقع لا يُعد في حد ذاته إشارة سلبية، لكنه غيّر معادلة التدفقات النقدية في السوق، وأعاد رسم العلاقة بين البنوك وسوق الأسهم.

أثر السيولة هنا هو العامل المحوري في فهم التحولات الجارية. فحين ترتفع نسبة القروض إلى الودائع وتتجاوز 100% في عدد من البنوك وفقاً لآخر البيانات المتاحة، تنتقل السيولة من كونها عنصر وفرة إلى عنصر يجب إدارته بحساسية عالية. هذا التحول ينعكس أولاً على تكلفة الأموال، حيث يؤدي الضغط على الودائع المحلية واللجوء للأسواق الدولية إلى ارتفاع متوسط تكلفة التمويل، حتى في ظل قوة التصنيف الائتماني للبنوك السعودية. ومع ارتفاع تكلفة الأموال، يبدأ المستثمر في سوق الأسهم بإعادة تسعير أسهم البنوك، ليس بناءً على نمو القروض فقط، بل على قدرة هذه البنوك على حماية هوامشها الربحية والمحافظة على توزيعاتها النقدية.

في الأجل القصير، استفادت الشركات بشكل عام من استمرار تدفق الائتمان، إذ دعم ذلك أرباح البنوك ونشاط القطاعات المرتبطة بها، مثل العقار والإنشاءات والمواد الأساسية. تعتمد هذه القطاعات بشكل كبير على وفرة التمويل، وأي توسع ائتماني ينعكس إيجاباً على توقعات أرباحها وأسعار أسهمها. لكن مع تحول التدفقات النقدية إلى عنصر مقيد نسبياً، بدأ السوق ينظر بحذر أكبر، خصوصاً مع تزايد الإشارات التنظيمية الداعية إلى تعزيز رأس المال. بعض الإجراءات، رغم أهميتها للاستقرار المالي، تعني ضمنياً أن جزءاً من الأرباح المستقبلية قد يُحتجز لدعم رأس المال بدلاً من توزيعه، وهو عامل يميل المستثمرون إلى خصمه من التقييمات.

من زاوية سوق الأسهم ككل، فإن ضيق التدفقات النقدية المصرفية النسبي لا يؤثر فقط على أسهم البنوك، بل يمتد إلى شهية المخاطرة في السوق. فعندما ترتفع تكلفة التمويل، تصبح الشركات ذات المديونية العالية أكثر عرضة للضغط، ويبدأ المستثمرون في تفضيل الشركات ذات الميزانيات القوية والتدفقات النقدية المستقرة. هذا يؤدي إلى تباين في الأداء داخل السوق، حيث تحافظ الأسهم الدفاعية أو ذات المراكز النقدية القوية على جاذبيتها، بينما تتعرض الأسهم الدورية الأكثر اعتماداً على التمويل لضغوط تقييمية. في الوقت ذاته، فإن أي تحسن في السيولة، سواء عبر نمو الودائع أو تخفيف الأوضاع النقدية عالمياً، ينعكس سريعاً في صورة تحسن عام في المعنويات وارتفاع مضاعفات الربحية.

تأثير السيولة على سوق الأسهم السعودية في هذه المرحلة يتجاوز كونه مسألة مصرفية بحتة، ليصبح عاملاً تسعيرياً رئيسياً. المستثمر لم يعد يكتفي بمتابعة نمو الأرباح، بل يراقب عن كثب مؤشرات السيولة ونسبة القروض إلى الودائع، واتجاه تكلفة التمويل، واستجابة الجهات التنظيمية، وقدرة البنوك على جذب ودائع جديدة. في ظل هذا الإطار، يمكن القول إن سوق الأسهم السعودية تقف في منطقة وسطية دقيقة: مدعومة بأساسيات اقتصادية قوية ونمو اقتصادي وائتماني مستمر، لكنها في الوقت نفسه أكثر حساسية لأي تغير في معادلة التدفقات النقدية. نجاح المرحلة المقبلة، من منظور السوق، سيعتمد على قدرة البنوك على إعادة التوازن بين النمو والتمويل، بما يحافظ على الاستقرار المالي دون أن يتحول ضغط السيولة إلى عامل كبح مستدام لأداء الأسهم.​​​​​​​​​

* نقلا عن صحيفة "مال"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط