اقتصاد المعرفة ويوم التأسيس
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
في يوم التأسيس لا يُستحضر التاريخ بوصفه سردًا للأحداث، بل بوصفه تجربة بناء متكاملة كان فيها العلم محورًا أصيلًا في تشكيل المجتمع في المملكة العربية السعودية. وعند قراءة التاريخ وفي ضوء ما دوّنه مؤرخوها وباحثوها، يتبين أن التعليم لم يكن نشاطًا هامشيًا، بل ممارسة واعية أسهمت في صناعة بيئة مستقرة، ورفعت من كفاءة الإنسان، وأثّرت في حركة المجتمع الاقتصادية والاجتماعية على حد سواء.
يروي حسين بن غنام في روضة الأفكار والأفهام أن حلقات العلم في الدرعية شهدت انتظامًا واضحًا، وأن الإقبال عليها لم يكن قاصرًا على فئة محدودة، بل شمل شرائح مختلفة من المجتمع. هذا الوصف لا يعكس نشاطًا علميًا فحسب، بل يكشف عن مجتمع أعاد ترتيب أولوياته حول المعرفة. ويؤكد عثمان بن بشر في عنوان المجد في تاريخ نجد أن طلبة العلم توافدوا إلى الدرعية من نواحٍ متعددة، ما يشير إلى مكانتها كمركز علمي مؤثر في محيطه. وحين تتشكل مثل هذه المراكز، فإنها لا تنتج معرفة فقط، بل تخلق حراكًا اجتماعيًا واقتصاديًا يتصل بها اتصالًا مباشرًا.
ويرى عدد من الباحثين المعاصرين في تاريخ نجد، ومنهم عبدالكريم بن حمد الحقيل، أن انتشار التعليم في تلك المرحلة أسهم في رفع مستوى الوعي العام، وترسيخ منظومة من القيم المنضبطة التي انعكست على المعاملات اليومية. فكلما ازداد وعي الأفراد بأحكام التعامل والحقوق والواجبات، أصبحت العلاقات أكثر وضوحًا، والنزاعات أقل حدة. وهذه النتيجة وإن بدت أخلاقية في ظاهرها، إلا أن أثرها اقتصادي بامتياز، لأنها تعزز الثقة، وتقلل كلفة الخلاف، وتفتح المجال أمام نشاط إنتاجي أكثر استقرارًا.
وتشير دراسات دارة الملك عبدالعزيز حول الحياة العلمية في نجد إلى أن تمويل التعليم اعتمد بدرجة كبيرة على الأوقاف ومبادرات الأهالي. هذا النموذج يعكس فهمًا مبكرًا لطبيعة الاستثمار في المعرفة. فالوقف كما يصفه باحثو التاريخ الاجتماعي، ليس مجرد تبرع عابر، بل آلية لضمان الاستدامة. وعندما تُخصَّص موارد ثابتة لحلقة علم أو كتاب أو معلم، فإن المجتمع يراكم رأس مال معرفيًا طويل الأمد. بهذا المعنى، كان التعليم جزءًا من اقتصاد أخلاقي يقوم على تحويل الفائض إلى قيمة معرفية مستمرة.
ويلاحظ بعض المؤرخين أن ازدهار حلقات العلم في الدرعية ترافق مع نمو ملحوظ في النشاط الاجتماعي والحرفي. فحضور الطلاب من مناطق مختلفة استدعى خدمات السكن والضيافة والنسخ والتموين. وحيث يوجد طلب معرفي، تنشأ حوله أنشطة مساندة. هذا التداخل بين العلم والحياة اليومية يكشف أن التعليم لم يكن معزولًا عن الاقتصاد المحلي، بل أحد محركاته الهادئة.
ومن زاوية بناء الكفاءات، يبرز دور التعليم في إعداد قضاة ومعلمين ومرشدين، وهي وظائف تتطلب تأهيلًا علميًا راسخًا. ويشير باحثون في تاريخ التعليم في نجد إلى أن هذا الإعداد أسهم في توحيد المرجعية العلمية، ما منح المجتمع قدرًا أكبر من الانسجام. والانسجام، كما تؤكد الدراسات الحديثة في علم الاجتماع الاقتصادي، عنصر أساسي في تقليل الهدر وتعظيم الاستفادة من الموارد.
كما أن انتشار الكتاتيب لتعليم القراءة والكتابة للصغار مثّل خطوة مهمة في توسيع قاعدة المعرفة. صحيح أن المناهج كانت بسيطة، لكنها وفرت الحد الأدنى من المهارات التي تمكّن الفرد من فهم النصوص وتوثيق معاملاته. وفي بيئة تعتمد على الثقة والكتابة في ضبط التعاملات، تصبح هذه المهارات عنصرًا داعمًا للنشاط الاقتصادي. وقد لفت بعض الباحثين المعاصرين إلى أن ارتفاع معدلات المعرفة الأساسية في المجتمعات التقليدية يسهم في تحسين إدارة الموارد، حتى في ظل محدودية الإمكانات.
ويتفق المؤرخون على أن استمرار حلقات العلم يعكس قناعة عميقة بأهمية المعرفة في حفظ توازن المجتمع. فالمعرفة، بخلاف الموارد المادية، لا تنفد بالاستخدام، بل تزداد انتشارًا. وكل جيل يتعلم يضيف طبقة جديدة من الوعي والخبرة. هذا الفهم المتراكم هو ما يجعل التعليم استثمارًا بعيد المدى، تتجاوز ثماره حدود الزمن القصير.
إن قراءة تجربة التعليم في عهد الدولة السعودية عند التأسيس من خلال شهادات مؤرخيها وآراء الباحثين تكشف أن العلم كان ركيزة في بناء مجتمع أكثر انتظامًا وكفاءة. لم يكن الاستثمار في المعرفة ترفًا، بل ضرورة لبناء إنسان قادر على الفهم والإنتاج وضبط علاقاته. وفي يوم التأسيس، تبدو هذه الصورة أكثر إشراقًا: مجالس علم تزرع الفكرة، وأوقاف تضمن الاستمرار، ومجتمع يدرك أن الثروة الحقيقية تبدأ من عقل متعلم. تلك كانت الجذور التي أثمرت استقرارًا ونماءً، وأرست قاعدة تؤكد أن الاستثمار في الإنسان هو الطريق الأمتن لأي ازدهار.
* نقلاً عن صحيفة "مال"