اقتصاد الإصبع الذهبي
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
في عام 2024، أكل السعوديون ما يكفي من أصابع البطاطس لملء 2,600 حمام سباحة أولمبي كل واحد منها مليء عن آخره. هذه ليست مبالغة شعرية، بل حساب بسيط: 400 ألف طن متري من البطاطس المجمدة، تُقلى وتُؤكل كل عام على أراضٍ تمتد من تبوك إلى نجران. الرقم وحده مدهش، لكن الأكثر إدهاشاً هو القصة التي خلفه قصة إصبع صغير تحوّل إلى صناعة بمليارات الريالات، تضرب جذورها في بلجيكا وهولندا وتمتد حتى مزارع القصيم، وتمرّ في طريقها بمطابخ 70 ألف مطعم، وأرصفة رمضانية تفوح منها رائحة الزيت الساخن حتى منتصف الليل.
لم يكن هذا هو الحال دائماً. قبل جيل واحد فقط، كانت البطاطس المقلية ترفاً يُقدَّم في المناسبات أو يُجلب في رحلات الخارج، أما اليوم فإن 7.2 كيلوغرام هو متوسط ما يأكله كل مواطن سعودي من البطاطس المجمدة سنوياً كيس كبير كل شهر تقريباً، لم يُزرع في الغالب على أرض عربية ولم يُصنَّع في مصنع خليجي، بل وصل برداً من شمال أوروبا وكندا، ليذوب في الزيت الساخن ويتحول إلى ذهب مقرمش. هذا التحوّل السريع في عادات الأكل لا يُخبرنا فقط عن البطاطس، بل يُخبرنا عن مجتمع يتغير بسرعة لا مثيل لها.
الأرقام الاقتصادية تعكس هذا التحوّل بوضوح صارخ، فسوق أصابع البطاطس في المملكة وحدها يُقدَّر ب 461 مليون دولار في 2024 ما يعادل 1.7 مليار ريال تتدفق سنوياً في هذه الصناعة. وإذا بدا الرقم هادئاً، فإن معدل نموه يُصحّي النائم: 9.54% سنوياً، بما يعني أن السوق سيتجاوز مليار دولار بحلول 2033. للمقارنة، هذا أسرع من نمو قطاع السياحة في كثير من دول المنطقة، وأسرع بكثير مما يتوقعه أي باحث اقتصادي من سوق وجبة جانبية.
والمحرّك الأساسي لكل هذا الطلب ليس البيوت، بل المطاعم. سبعون ألف مطعم تملأ شوارع المملكة من أقصاها إلى أقصاها 18 ألف منها في الرياض وحدها، و12 ألف في جدة وأغلبها لا يستطيع تقديم قائمة طعامه دون أصابع البطاطس. مطعم هرفي يشغّل أكثر من 380 فرعاً، وماكدونالدز لا تقل عن 350 موقعاً، وسلاسل عشرات أخرى تفتح أبوابها كل يوم في مراكز التسوق والأحياء السكنية والمطارات. في هذه المطاعم، تستهلك الوجبات السريعة ما يزيد على 60% من إجمالي مبيعات البطاطس المجمدة، ومبيعاتها السنوية تقترب من 33 مليار ريال بحلول 2025. أصابع البطاطس ليست مجرد طبق جانبي في هذه المعادلة بل هي الهوية.
ثم يأتي رمضان، فيقلب كل الحسابات. في الليالي الرمضانية، تتحوّل أرصفة المدن السعودية إلى مشهد لا يُشبهه شيء: بسطات صغيرة تضيء بنور المقالي الساخنة، والناس من كل الأعمار والمستويات يصطفون لشراء أصابع البطاطس المُتبَّلة بالثوم والجبن والبهارات الحارة. والأطرف أن من يُشعل تلك المقالي ليس دائماً صاحب بسطة محترفاً فبين هؤلاء أطباء ومحامون ومهندسون يتركون مكاتبهم مؤقتاً ليلتحقوا بهذا الموسم الشعبي، جذبتهم روح رمضان أكثر من الربح التجاري. وقد باتت ظاهرة البسطات الرمضانية رسمية إلى حد أن الحكومة أنشأت لها نظام تصاريح عبر منصة بلدي، مما يعني أن الدولة نفسها تعترف بهذا الاقتصاد الموسمي وتُنظّمه. في شهر رمضان وحده، يتضاعف الطلب على البطاطس المجمدة في قطاع التجزئة والمطاعم الشعبية، ويرتفع الاستيراد بشكل ملحوظ لتلبية الشهية الرمضانية الاستثنائية.
لكن السعودية لا تريد أن تظل مستورِدة إلى الأبد. في إطار رؤية 2030، قررت أن تزرع بطاطسها بنفسها وقد نجحت إلى حد بعيد. في عام 2023، ارتفع الإنتاج المحلي من البطاطس إلى 622 ألف طن، بزيادة 47% خلال عامين فقط، على أكثر من 17 ألف هكتار من الأراضي الزراعية. نسبة الاكتفاء الذاتي وصلت إلى 86%، ارتفاعاً من أقل من 70% قبل وقت قريب. وتتويجاً لهذه الطموحات، تُبنى الآن في مدينة سدير الصناعية أكبر مصنع لأصابع البطاطس المجمدة في منطقة الشرق الأوسط بأكملها مشروع مشترك بين Americana Foods وFarm Frites الدولية، باستثمار 100 مليون دولار، وطاقة إنتاجية تبلغ 70 ألف طن سنوياً. حين يبدأ الإنتاج مطلع 2026، سيُغطي المصنع وحده ما يقارب 17% من الطلب الوطني الحالي، وسيُفصح للعالم أن المملكة لا تريد فقط أن تأكل البطاطس، بل أن تُصدّرها.
وبينما تتشكّل هذه الصناعة على الأرض، يدخل الذكاء الاصطناعي على الخط. أنظمة رؤية حاسوبية باتت تُفرز البطاطس بدقة تفوق الإنسان، وخوارزميات التنبؤ بالطلب تُقلّل الهدر وتُحسّن سلاسل الإمداد. وفي أكتوبر 2024، أطلقت شركة Lamb Weston تغليفاً مستداماً مصنوعاً من زيت الطهي المستهلك، يُخفّض البصمة الكربونية بنسبة 30% لأن صناعة البطاطس، مثلها مثل كل صناعة اليوم، تتعلم أن المستقبل لن يُكافئ من يُنتج أرخص فقط، بل من يُنتج بأذكى.
قصة أصابع البطاطس في السعودية هي قصة التحوّل الكبير مكثّفةً في إصبع واحدة. هي قصة شعب غيّرت موائده خلال جيل واحد، وحكومة تحوّل اقتصادها من الاستيراد إلى التصنيع، وشباب يُوازن بين الحداثة والهوية على رصيف رمضاني يفوح منه عطر الزيت والثوم. وحين تجلس في مطعم سعودي وتطلب أصابع البطاطس، فأنت لا تطلب وجبة جانبية أنت تطلب قصيدة اقتصادية كاملة، مقليّة على درجة 180 مئوية حتى تصبح ذهبية اللون.
* نقلا عن صحيفة "مال"