فهم الإنسان السعودي .. صناعة اقتصادية جديدة
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
في يوم 10 مارس 2026، اجتمع مجلس الوزراء السعودي في جلسة تاريخية لم تكن مجرد اعتماد لبند جديد في ميزانية الدولة، بل كانت لحظة فارقة يدرك فيها صناع القرار أن فهم الإنسان السعودي بعمق هو المفتاح الحقيقي لبناء مستقبل مستدام. من هذه الجلسة انبثق قرار بتأسيس المعهد الملكي للأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية، ليصبح أول مؤسسة ملكية متخصصة في هذا المجال على مستوى العالم العربي والإسلامي، ليس مجرد إضافة أكاديمية راقية، بل استثمار استراتيجي ينظر إلى المجتمع كأصل ثروة حقيقية يتجاوز مفهوم الناتج المحلي الإجمالي التقليدي.
عندما نتأمل في تجارب الدول التي سبقتنا في هذا المجال، نجد أن المملكة المتحدة تدرك منذ عقود أن الثقافة ليست ترفاً بل صناعة اقتصادية ضخمة، فقد حققت صناعاتها الإبداعية قيمة مضافة تبلغ 123 مليار جنيه إسترليني في عام 2024 وحده، تمثل 5.37% من إجمالي الناتج المحلي وتشغل 2.4 مليون مواطن بريطاني، وما يميز هذه التجربة أن كل جنيه إسترليني واحد يُستثمر في هذا القطاع يولد جنيهاً ونصف الجنيه إضافية في سلاسل التوريد المحلية، مما يجعل الثقافة محركاً اقتصادياً متكاملاً لا يتوقف عند حدود المؤسسات الفنية. وعلى الجانب الآخر من القناة الإنجليزية، تُجسد فرنسا هذا المفهوم بأسلوبها الخاص، حيث تساهم صناعاتها الإبداعية ب 102.7 مليار يورو سنوياً في اقتصادها الوطني، وتشغل مليون فرنسي بشكل مباشر وغير مباشر، مما يؤكد أن الاستثمار في الفهم العميق للإنسان وثقافته يترجم إلى وظائف حقيقية ونمو اقتصادي ملموس.
لكن التجربة الأقرب إلى طموحاتنا ربما تكون في شرق آسيا، حيث تحولت اليابان من دولة صناعية تقليدية إلى قوة ثقافية عالمية بفضل استثماراتها المبكرة في دراسة مجتمعاتها وتراثها، فقد وصل إنفاق السائح الواحد في تجربتها الثقافية إلى 227 ألف ين ياباني، وبلغ إجمالي إنفاق الزوار الدوليين 8.1 تريليونات ين بزيادة 53% عن العام السابق، وتتوقف هذه الأرقام عند 34.8% من إجمالي السياحة اليابانية، مما يعني أن الثلث تقريباً من كل سائح يأتي خصيصاً للتعرف على الثقافة اليابانية بعمق، وليس مجرد التسوق أو الترفيه السطحي. وهنا تكمن أهمية المعهد السعودي الجديد، فهو ليس فقط لتوثيق التراث، بل لفهمه وإعادة إنتاجه بأسلوب يجذب العالم ويحقق عوائد اقتصادية حقيقية.
أما كوريا الجنوبية فقد رفعت سقف الطموحات إلى مستوى آخر تماماً، فقد تحولت من دولة نامية في ستينيات القرن الماضي إلى مصدر للموجة الثقافية العالمية المعروفة بالهاليو، حيث بلغت صادرات محتواها الثقافي 13.24 مليار دولار في عام 2022، ووصلت قيمة صناعة البوب الكوري وحدها إلى 5 مليارات دولار، واستقطبت 1.1 مليون سائح دولي جاءوا خصيصاً للتجربة الثقافية الكورية، وهي الآن تستهدف الوصول إلى 36 مليار دولار صادرات ثقافية بحلول عام 2030، وهدف لن يتحقق دون استثمارات ضخمة في فهم المجتمع الكوري وإعادة تقديمه للعالم بأسلوب جذاب ومربح اقتصادياً.
عندما ننظر إلى هذه التجارب الناجحة، ندرك أن المعهد السعودي يمتلك فرصاً استثمارية فريدة للاستفادة من هذه النماذج وتجاوزها، فالسعودية ليست مجرد سوق كبيرة، بل هي مجتمع متنوع يعيش تحولات اجتماعية عميقة تستحق الدراسة العلمية الدقيقة، وتراث ثقافي غني يمتد من جبال عسير إلى سواحل الخليج، وهوية إسلامية عربية أصيلة تستطيع أن تقدم نموذجاً فريداً للتعايش والتسامح في عالم يعاني من التوترات الثقافية. وهنا تأتي الفرصة الأولى: بناء صناعة المحتوى الثقافي السعودي التي يمكن أن تضاهي الكيبوب الكوري، من خلال دراسة ما يميز المجتمع السعودي وإعادة تقديمه بأسلوب عالمي جذاب، سواء عبر الدراما التي تعكس التحولات الاجتماعية، أو الموسيقى التي تستوحي التراث، أو الألعاب الإلكترونية التي تستند إلى التاريخ والأساطير العربية.
وتتجسد الفرصة الثانية في السياحة التعليمية والبحثية، فالمعهد يمكن أن يصبح وجهة للباحثين والطلاب من جميع أنحاء العالم لدراسة المجتمع السعودي والعربي والإسلامي عن قرب، مما يولد تدفقات مالية مباشرة من الإقامة والتنقل، وغير مباشرة من خلال شراكات بحثية دولية. وقد أثبتت دراسة مواقع التراث العالمي لليونسكو في كندا أن كل دولار واحد يُنفق على التراث الثقافي يولد 4.4 دولارات في الاقتصاد المحلي، وأن العائد الداخلي على الاستثمار في التصنيف كموقع تراث عالمي يتراوح بين 368% إلى 615%، مما يعني أن الاستثمار في التراث ليس واجباً أخلاقياً فحسب، بل هو أحد أكثر الاستثمارات ربحية على المدى المتوسط والطويل.
أما الفرصة الثالثة فتكمن في الاستشارات البحثية للقطاع الخاص، فالشركات المحلية والعالمية العاملة في السعودية تحتاج إلى فهم دقيق للسلوك الاستهلاكي والتوجهات المجتمعية لتطوير منتجاتها وخدماتها، والمعهد يمكن أن يقدم دراسات تفصيلية عن أنماط الشراء، والعلاقات العائلية، والتغيرات الجغرافية الاجتماعية، مقابل رسوم تصل إلى مئات الملايين سنوياً. ولا يقتصر الأمر على الشركات التجارية، بل يمتد إلى المؤسسات الحكومية التي تحتاج إلى بيانات علمية لصياغة سياساتها، ففي المملكة المتحدة 80% من أسئلة الحكومة البريطانية في قاعدة بيانات اهتمامات البحث تتعلق بالعلوم الاجتماعية، مما يعني أن القرارات الحكومية الكبرى تُبنى على فهم علمي دقيق للمجتمع، وليس على التجارب الشخصية أو الاستشارات العاطفية.
لكن هذه الفرص لا تأتي دون تحديات حقيقية يجب مواجهتها بصراحة. أولاً، الفجوة الزمنية في البحث الأنثروبولوجي، فالدراسات الميدانية العميقة تحتاج إلى 5-10 سنوات لإظهار نتائجها الكاملة، وهو وقت طويل في عالم يعشق النتائج الفورية، لكن الحل يكمن في تبني نموذج "البحث السريع" للمشاريع التطبيقية قصيرة المدى، مثل دراسة تجربة الزائر في المواقع التاريخية أو تحليل استجابة الجمهور للفعاليات الثقافية، بينما تستمر الدراسات العميقة في الخلفية. ثانياً، التوعية المحدودة للقطاع الخاص بأهمية الدراسات الثقافية، حيث يرى كثير من رجال الأعمال أنها ترفٌ لا داعي له، والحل يتمثل في إطلاق برامج توعوية تستعرض تجارب الدول الناجحة، وتقديم دراسات تجريبية مجانية لكبرى الشركات لإثبات القيمة المضافة.
ثالثاً، نقص الكوادر الوطنية المتخصصة في الأنثروبولوجيا التطبيقية، فالتخصص لا يزال جديداً نسبياً في الجامعات السعودية، والحل يكمن في إرسال بعثات دراسية سريعة إلى المعاهد العالمية المرموقة، واستقطاب باحثين دوليين بارزين للعمل في المعهد، وتأسيس برامج ماجستير ودكتوراه متخصصة بالشراكة مع جامعات عالمية. رابعاً، المخاطر المؤسسية، فالمعهد الجديد قد يواجه صعوبة في تحديد هويته بين الأكاديمية الصرفة والتطبيق العملي، والحل يتمثل في تقسيمه إلى وحدتين: وحدة البحث الأساسي الأكاديمي، ووحدة الاستشارات والتطبيق، مع ضمان التواصل بينهما دون الاختلاط.
خامساً، مخاطر السياسة والاستقلالية، فالبحث الاجتماعي قد يصل إلى نتائج غير مريحة للجهات الرسمية أو المجتمع، مما يتطلب ضمانات مؤسسية قوية لاستقلالية البحث العلمي، بحيث يُنشر ما يتوصل إليه الباحثون دون تدخل، مع وجود آليات بناءة للحوار حول النتائج. وسادساً، التحدي التقني في توثيق التراث الرقمي وحمايته من الاختراق أو الضياع، مما يستلزم استثمارات ضخمة في البنية التحتية الرقمية والأمن السيبراني.
عندما نضع هذه الفرص والتحديات في سياقها السعودي، نرى أن المعهد يمتلك مقومات النجاح غير المسبوقة، فهو يعمل في مجتمع يعيش تحولات تاريخية عميقة بفضل رؤية 2030، من تغييرات في أنماط العمل والاستهلاك إلى تحولات في العلاقات الأسرية والهوية الجندرية، وهي تحولات تحتاج إلى رصد علمي دقيق لفهم آثارها الاجتماعية والاقتصادية على المدى الطويل. كما أن السعودية تستضيف ملايين الزوار سنوياً لأداء العمرة والحج، وهي تجربة ثقافية وروحانية فريدة تستحق الدراسة العميقة لتحسينها وتطويرها اقتصادياً واجتماعياً.
وتكمن الفرصة الأكبر في قدرة المعهد على بناء رأس مال اجتماعي قوي، من خلال توثيق التراث الشفهي والمادي، ودراسة التنوع الثقافي بين مناطق المملكة المختلفة، وفهم المجتمع السعودي المتغير، مما يسهم في بناء هوية وطنية قوية في عالم العولمة، وتقليل الفجوات بين الأجيال والفئات الاجتماعية، وزيادة الانتماء الوطني والرضا عن الحياة. وهذا الرأس المال الاجتماعي، رغم أنه غير ملموس مباشرة، إلا أنه الأساس الذي تُبنى عليه جميع المشاريع التنموية الأخرى، فلا يمكن بناء مدن اقتصادية ناجحة أو صناعات إبداعية مزدهرة في مجتمع يعاني من تمزق اجتماعي أو فقدان للهوية.
ولا يمكن إغفال الأثر الاجتماعي المباشر الذي يُقاس بالعائد الاجتماعي على الاستثمار، حيث أثبتت الدراسات العالمية أن كل دولار يُستثمر في برامج التدريب المهني المبنية على فهم احتياجات المجتمع يولد 5.4 دولارات قيمة اجتماعية، سواء من خلال تقليل البطالة أو الحفاظ على الصحة النفسية أو تماسك المجتمعات المحلية، وهو ما يترجم في النهاية إلى تقليل تكاليف الدولة على الرعاية الاجتماعية والأمن والصحة النفسية. وفي الدنمارك، أصبح معهد أبحاث السعادة مرجعاً عالمياً يساهم في صياغة سياسات "ما وراء الناتج المحلي الإجمالي"، مما يجعل السعادة والرفاهية مؤشرات تتساوى مع المؤشرات الاقتصادية التقليدية في تقييم نجاح الدولة.
ومن خلال النظر إلى تجربة المملكة المتحدة في العلوم الاجتماعية، نجد أن 80% من إجمالي ناتجها المحلي يأتي من قطاع الخدمات المدعوم بالبحث الاجتماعي، مما يعني أن القرارات الحكومية الكبرى تُبنى على فهم علمي دقيق للمجتمع، وهو ما يقلل من الأخطاء التكلفة ويزيد من فعالية السياسات العامة. ويمكن للمعهد السعودي أن يقدم نفس الدور، من خلال إنشاء وحدة استشارات للحكومة تقدم دراسات سريعة عن القضايا الملحة، مثل تأثير تغييرات سوق العمل على الأسرة، أو فهم التوجهات البيئية بين الشباب، أو تقييم برامج التحول الاجتماعي، مما يجعل صانع القرار يعتمد على البيانات وليس على الافتراضات.
أما على المستوى الدولي، فيكمن التحدي في بناء المصداقية العلمية للمعهد في مجتمع أكاديمي عالمي يميل أحياناً إلى النظر بارتياب إلى المؤسسات في منطقتنا، والحل يكمن في الانفتاح الكامل على معايير البحث العالمية، ونشر الأبحاث في دوريات محكمة دولية، وتنظيم مؤتمرات عالمية تجمع أبرز الأسماء في الأنثروبولوجيا، مما يؤسس للمعهد مكانة مرموقة في الخريطة الأكاديمية العالمية. وهذا الانفتاح يتطلب أيضاً الشراكات الدولية مع المعاهد البريطانية والفرنسية واليابانية، ليس مجرد اتفاقيات شكلية، بل تبادل للباحثين والبرامج والموارد المالية المشتركة.
يظل السؤال الجوهري: هل يمكن للمعهد أن يحقق للسعودية ما حققته المعاهد المماثلة لبريطانيا وفرنسا واليابان وكوريا؟ الإجابة تكمن في الإرادة السياسية والتمويل المستدام والربط الذكي مع رؤية 2030، فالمعهد يجب ألا يكون جزيرة معزولة عن وزارة السياحة ووزارة الثقافة والهيئة العامة للإحصاء والقطاع الخاص، بل يجب أن يكون محركاً للبحث التطبيقي الذي يخدم هذه الجهات ويقدم لها رؤى علمية تزيد من فعاليتها. وإذا نجح في ذلك، فإن العائد لن يكون مالياً فقط، بل سيكون عائداً إنسانياً يتمثل في مجتمع أكثر تماسكاً وهوية أقوى وقدرة أكبر على مواجهة تحديات المستقبل بثقة وعلم.
هكذا، ومن خلال هذه الرحلة عبر التجارب العالمية والفرص المحلية والتحديات الواقعية، ندرك أن قرار 10 مارس 2026 لم يكن مجرد توقيع على ورقة رسمية، بل كان إعلاناً عن مرحلة جديدة في تاريخ المملكة، مرحلة يُنظر فيها إلى الإنسان كأغلى موارد الدولة وأهمها، وإلى الثقافة ليس كترفٍ زائد بل كصناعة اقتصادية واجتماعية تستحق الاستثمار والتطوير والاهتمام، مع الاعتراف بأن الطريق مليء بالتحديات التي تحتاج إلى إرادة حقيقية وإدارة حكيمة وصبر استراتيجي لتحويل هذا الحلم إلى واقع يُحتذى.
* نقلاً عن صحيفة "مال"