صندوق الاستثمارات العامة يُراهن على التوسع عندما يتراجع الجميع
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
في الوقت الذي كانت الأنظار الاقتصادية تتجه نحو الرياض لمعرفة كيف سيتعامل صندوق الاستثمارات العامة مع تداعيات الحرب الإيرانية-الأمريكية والاسرائلية التي هزت منطقة الشرق الأوسط، جاء الإعلان عن استراتيجية الصندوق للفترة 2026-2030 ليُظهر أن المملكة العربية السعودية لا تتعامل مع الأزمات بالتراجع، بل بالتوسع الاستراتيجي المُحسّن، وهذه الاستراتيجية الجديدة ليست مجرد خطة استثمارية تقليدية، بل هي رسالة جيوسياسية-اقتصادية مفادها أن رأس المال السعودي مستمر في بناء المستقبل رغم العواصف الإقليمية، وأن التحول الاقتصادي السعودي تجاوز مرحلة الهشاشة إلى مرحلة المرونة الاستراتيجية.
الحرب بين إيران والولايات المتحدة في أواخر فبراير 2026، أدى إلى إغلاق مضيق هرمز معبر عشرين بالمائة من إمدادات النفط العالمية، وتعطيل المجال الجوي في دول الخليج، وخسائر فورية في قطاعي الطيران والسياحة تُقدر بأربعين مليار دولار، وارتفاع متوسط أسعار النفط بنسبة ثلاثة عشر بالمائة لتتجاوز ثمانين دولاراً للبرميل، وحذر البنك الدولي من أن نمو دول مجلس التعاون الخليجي سيتراجع من أربعة فاصلة أربعة بالمائة إلى واحد فاصلة ثلاثة بالمائة في 2026، بينما توقع صندوق النقد الدولي أن تصل الخسائر التراكمية للناتج المحلي في دول الحروب إلى سبعة بالمائة خلال خمس سنوات، وفي ظل هذا السياق المضطرب يأتي إعلان الاستراتيجية الجديدة ليُظهر ثقة القيادة السعودية في قدرة الاقتصاد الوطني على امتصاص الصدمات الإقليمية والاستفادة من ارتفاع أسعار النفط لتمويل مشاريع التحول الاقتصادي، وإرسال رسالة للأسواق العالمية بأن السعودية محصّنة ضد المخاطر الجيوسياسية.
تركز استراتيجية الصندوق على ثلاث محافظ استثمارية متكاملة، حيث تهدف محفظة الرؤية إلى بناء ست منظومات اقتصادية متكاملة تشمل السياحة والسفر والترفيه، والتطوير العمراني والتنمية الحضرية، والصناعات المتقدمة والابتكار، والصناعة والخدمات اللوجستية، والبنية التحتية للطاقة النظيفة والمتجددة والمياه، ومشروع نيوم، وهذا التحول من الاستثمار في قطاعات منفصلة إلى بناء منظومات متكاملة تدعم بعضها البعض يقلل من الاعتماد على أي قطاع واحد، ويبعث رسالة للعالم بأن السعودية مصممة على جعل السياحة ركيزة اقتصادية بديلة للنفط رغم اضطرابات الطيران الناتجة عن الحرب، خاصة أن ارتفاع أسعار النفط يوفر تمويلاً إضافياً لتسريع هذه المنظومات، وتركز محفظة الاستثمارات الاستراتيجية على إدارة الأصول الاستراتيجية الحالية وتحويل شركات الصندوق إلى شركات عالمية رائدة، مما يعكس انتقال الصندوق من مرحلة الاستحواذ والتملك إلى مرحلة إدارة الأصول وتعظيم العوائد، وقد تكون هناك فرص لإعادة هيكلة المحفظة بأسعار مغرية في ظل هبوط أسهم بعض الشركات الخليجية بسبب الحرب، بينما تركز محفظة الاستثمارات المالية على العوائد المستدامة وتنويع الاستثمارات في الأسواق العالمية، مما يوفر مصادر دخل غير مرتبطة بالمنطقة ويضمن للصندوق القدرة على التحرك سريعاً بين الأسواق العالمية، خاصة أن الحفاظ على تصنيفات موديز وفيتش الائتمانية المرتفعة يضمن تكلفة تمويل منخفضة حتى في أوقات الأزمات.
تستند الاستراتيجية الجديدة إلى إنجازات ملموسة خلال الفترة 2021-2025، حيث ارتفعت الأصول تحت الإدارة من خمسمائة مليار ريال في 2015 إلى ثلاثة فاصلة أربعة تريليون ريال في 2025، بزيادة ستة أضعاف في أقل من عقد، واستمر تحقيق عوائد على المساهمين تتجاوز سبعة بالمائة سنوياً منذ 2017، مع استثمار سبعمائة وخمسين مليار ريال محلياً في المشاريع الجديدة، ومساهمة تراكمية ب تسعمائة وعشرة مليارات ريال في الناتج المحلي غير النفطي، وإنفاق خمسمائة وتسعين مليار ريال في المحتوى المحلي، وهذه الأرقام تُظهر أن الصندوق نجح في بناء كتلة اقتصادية نقدية قادرة على تحمّل الصدمات، وهو ما يفسر الثقة في الإعلان عن استراتيجية توسعية رغم الأزمة الإقليمية.
عادةً ما تؤدي الحروب الإقليمية إلى هروب رؤوس الأموال من المنطقة نحو ملاذات آمنة وتراجع الاستثمارات الأجنبية المباشرة، لكن الإعلان السعودي يُظهر استراتيجية معاكسة تتمثل في الاستثمار المضاد للدورات، ففي الوقت الذي قد يتردد فيه المستثمرون الآخرون تُعلن السعودية عن خطط طموحة مما يعزز جاذبيتها طويلة المدى، كما تهدف المنظومات الست إلى تقليل الاستيراد وبناء سلاسل إمداد محلية تقلل الاعتماد على الممرات البحرية المعرضة للاضطرابات، وتنويع شركاء التجارة عبر الاستثمار في أسواق آسيا وأوروبا وأمريكا، ويفترض الاستراتيجية ضمناً أن الحرب ستكون محدودة الزمن وأن المنطقة ستعود إلى الاستقرار نسبياً بحلول 2027-2028، وأن الدول التي تستثمر الآن في البنية التحتية ستكون جاهزة لاستقبال تدفقات الاستثمار الهاربة من إيران والدول المتأثرة.
ومع ذلك، تواجه الاستراتيجية تحديات محتملة، فإذا استمر الصراع لأكثر من ستة أسابيع مع إغلاق مضيق هرمز قد تتجاوز أسعار النفط مائة وعشرين دولاراً للبرميل مما يؤدي إلى ركود عالمي يقلل الطلب على النفط ويضر بالإيرادات السعودية، كما أظهرت الحرب أن حتى دول الخليج الآمنة يمكن أن تكون هدفاً للهجمات من خلال استهداف منشآت قطر للطاقة ورأس تنورة السعودية وإغلاق مطارات دبي وأبوظبي، مما يُضعف الفرضية الأساسية لاستراتيجيات الرؤية القائمة على أن الاستقرار الأمني جاذب للاستثمار، إضافة إلى ضغوط التمويل الناتجة عن ارتفاع الإنفاق العسكري الطارئ في المنطقة.
إعلان استراتيجية صندوق الاستثمارات العامة 2026-2030 في هذا التوقيت يُعد حركة استراتيجية جريئة تعكس ثقة في قدرة الاقتصاد السعودي على امتصاص الصدمات ورؤية طويلة المدى تتجاوز الأزمات المؤقتة، وهي رسالة للعالم بأن السعودية محصّنة ضد المخاطر الإقليمية، وفي الوقت الذي تتراجع فيه اقتصادات المنطقة أمام صدمة الحرب تختار السعودية التوسع الاستراتيجي المُحسّن، وهذا ليس تجاهلاً للمخاطر بل رهاناً محسوباً على أن من يبني قدراته في أوقات الأزمات يكون جاهزاً لقيادة المنطقة في أوقات الاستقرار، وهو ما يتطلب من الصندوق الحفاظ على سيولة استراتيجية تكفي لتغطية اثني عشر إلى ثمانية عشر شهراً من الالتزامات، وتسريع التحول الرقمي للاستفادة من الذكاء الاصطناعي والبيانات لتقليل التكاليف، وتنويع جغرافي أسرع لتقليل الاعتماد على الاستثمارات في الدول المتأثرة بالصراع الإيراني.
* نقلا عن صحيفة "مال"