اقتصاد السعودية

مجالس الأعمال السعودية الأجنبية: من المنصات الاجتماعية إلى المحركات الاقتصادية الاستراتيجي

م. عبدالله عودة الغبين
م. عبدالله عودة الغبين
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
6 دقائق للقراءة

تُعد مجالس الأعمال السعودية الأجنبية، العاملة تحت مظلة اتحاد الغرف السعودية، من أبرز الأدوات المؤسسية في رسم ملامح الحضور الاقتصادي للمملكة خارج حدودها. مجالس الأعمال السعودية الأجنبية تغطي أكثر من 83 دولة، مع خطط توسعية طموحة وفقاً لمشروع التطوير الشامل الذي يشرف عليه الاتحاد ، وما يتم تداوله الآن من مراجعة الاستراتيجية السابقة وتطوريها . غير أن المتأمل في أدائها يلحظ فجوة واسعة بين الدور المأمول والواقع الفعلي؛ إذ لا تزال كثير منها تعمل بعقلية المنصة الاجتماعية، وتقيس نجاحها بعدد الفعاليات والزيارات، في حين أن المرحلة التي تعيشها المملكة في إطار رؤية 2030 – التي دخلت مرحلتها الثالثة بتركيز أكبر على الكفاءة والعوائد الاقتصادية المباشرة – تستدعي نقلة نوعية جوهرية. نقلة تحول هذه المجالس من كيانات تنظيمية تقليدية إلى محركات قيمة اقتصادية حقيقية، تساهم في تنويع الاقتصاد وتعزيز الصادرات غير النفطية وجذب الاستثمارات النوعية.

ولعل أول ما يستوجب المعالجة هو إطار الحوكمة، إذ لا يمكن لأي كيان أن يؤدي دوراً استراتيجياً دون بنية تنظيمية واضحة تضبط الأدوار وتقيس الأداء. والواقع أن بعض المجالس تفتقر اليوم إلى أبسط مقومات هذا الإطار؛ فلا فصل واضح بين الدور التمثيلي والتنفيذي، ولا مؤشرات أداء مرتبطة بنتائج قابلة للقياس، ولا آليات مساءلة تضمن الاستمرارية حين تتغير القيادات. رغم أن نظامها يوصي بفصل مجلس الإدارة عن الجهاز التنفيذي بصلاحيات مكتوبة ومحددة، واعتماد مؤشرات أداء رئيسية تقيس حجم الاستثمارات المنفذة فعلياً ، وقيمة الصادرات السعودية غير النفطية المدعومة، وعدد الوظائف المُنشأة (مباشرة وغير مباشرة)، ونسبة الاتفاقيات التي تحولت إلى مشاريع حقيقية على أرض الواقع، بالإضافة إلى مؤشر رضا الشركاء من خلال استطلاع سنوي شامل. ويُلزم كل مجلس بإصدار تقارير أداء نصف سنوية تُرفع إلى اتحاد الغرف السعودية وتُتاح للشركاء، مع ربط جزء من التمويل والدعم بمدى تحقيق هذه المؤشرات لضمان الجدية والالتزام.

بيد أن الحوكمة وحدها لا تكفي إذا لم تُترجم إلى كفاءة تشغيلية حقيقية. التحدي الحقيقي لا يكمن في تنظيم فعالية أو توقيع مذكرة تفاهم، بل فيما يحدث بعدها. ولذلك يُقترح إنشاء وحدات تنفيذية متخصصة داخل كل مجلس تضم كفاءات في تطوير الأعمال الدولية وتحليل الأسواق وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، بدلاً من الاقتصار على كوادر إدارية تقليدية.

كما يُوصى باعتماد منهجية متابعة واضحة لكل اتفاقية أو مذكرة، تتضمن جداول زمنية ومسؤوليات محددة، وصولاً إلى قياس الأثر الفعلي. ويُضاف إلى ذلك بناء قاعدة بيانات استثمارية موحدة تُحدَّث دورياً، تعكس الفرص الحقيقية المتاحة في السوق السعودية بلغة الشريك الأجنبي واحتياجاته، وتدعم تقنيات الواقع الافتراضي والمعزز لعرض المشاريع بشكل تفاعلي. هذه المنصة يجب أن تكون متكاملة مع منصة «استثمر في السعودية» لتكون أداة تسويق فعلية لا مجرد أرشيف معلوماتي.

ويتعمق هذا التحول حين يرتبط ارتباطاً عضوياً بالأهداف الوطنية. إذ لا يصح أن تعمل المجالس بأجندات عامة في حين حددت رؤية 2030 بوضوح قطاعات الأولوية مثل السياحة والصناعة والتقنية والخدمات اللوجستية والطاقة المتجددة، بالإضافة إلى التعدين والخدمات المالية والترفيه. وعليه، يُقترح إعادة تصميم أدوار المجالس وفق خريطة قطاعية واضحة، بحيث يتخصص كل مجلس في قطاع أو قطاعين يتقاطعان مع القدرات التنافسية للدولة الشريكة، مع التركيز المباشر على دعم الصادرات السعودية غير النفطية إلى جانب جذب الاستثمار الأجنبي المباشر. كما يُوصى بإنشاء آلية تنسيق ربع سنوية مع الجهات الحكومية المعنية كوزارة الاستثمار وهيئة السياحة والهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي ووزارة الصناعة و التعدين، لضمان تكامل الجهود ومنع التكرار، مع وضع أهداف سنوية قابلة للقياس لكل مجلس تنبثق مباشرة من مستهدفات الرؤية.

ولتحقيق هذه الأهداف بفعالية، ينبغي توسيع دائرة العضوية لتشمل رواد الأعمال الشباب والشركات الصغيرة والمتوسطة، مع تخصيص حصة واضحة للكفاءات النسائية في مجالس الإدارة واللجان التنفيذية. هذا التوسع لا يعزز التمثيل فحسب، بل يضخ دماء جديدة من الابتكار والمرونة في عمل المجالس.

إلى جانب هذا الدور الاقتصادي المباشر، تمتلك مجالس الأعمال طاقة تأثيرية غير مرئية تتمثل في القوة الناعمة. إذ تشكّل هذه المجالس – حين تُدار باحتراف – منصة لبناء صورة ذهنية إيجابية عن المملكة في دوائر القرار الاقتصادي غير الرسمية. ولتفعيل هذا الدور، يُوصى بانتهاج معايير اختيار واضحة لقيادات المجالس تُقدّم شبكة العلاقات الدولية والقدرة على التأثير على اعتبارات الأقدمية التجارية وحدها. ويُقترح كذلك توسيع دائرة التفاعل لتتجاوز رجال الأعمال وتشمل مراكز الأبحاث والمؤسسات المالية الدولية والإعلام الاقتصادي المتخصص. فضلاً عن ذلك، يُكلف كل مجلس بإعداد تقرير سنوي يرصد صورة المملكة الاقتصادية في بلد الشريك، ويقترح أدوات تحسينها، بحيث تتحول المجالس إلى نقاط إشعاع منهجية للسردية الاقتصادية السعودية في الخارج.

غير أنه لا يصح الحديث عن هذا التحول المنشود دون الاعتراف بعقبات موضوعية تعترضه؛ فمحدودية الموارد البشرية المتخصصة تُعد عائقاً فعلياً في عدد من المجالس، ويُفضي غياب التنسيق بينها أحياناً إلى تكرار الجهود أو تعارضها، فيما يبقى تحدي الاستمرارية قائماً طالما أن المجالس مرتبطة بشخصيات بعينها أكثر من ارتباطها بمنظومة مؤسسية راسخة. ولمواجهة هذه التحديات، يُقترح إطلاق برنامج تأهيل وطني للكوادر التنفيذية في مجالس الأعمال تُشرف عليه الغرف السعودية بالتعاون مع مؤسسات أكاديمية متخصصة، وإنشاء منصة رقمية مشتركة تتيح تبادل المعلومات والفرص بين المجالس كافة وتمنع ازدواجية الجهود، مع ربطها بمنصات حكومية وطنية. كما يُطوَّر نموذج تمويل مستدام يُقلص الاعتماد على الرسوم السنوية ويفتح الباب أمام عمولات على الصفقات الناجحة وشراكات مع صندوق الاستثمارات العامة وصندوق التنمية الصناعية ، ورعايات من الشركات الكبرى.

يعيش العالم اليوم إعادة رسم لخرائط النفوذ الاقتصادي، والمملكة تمتلك من الزخم والدعم الحكومي والانفتاح ما يجعل هذه اللحظة فرصة غير قابلة للتكرار. ومجالس الأعمال السعودية الأجنبية أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن تتحول إلى أصول استراتيجية فاعلة تُسهم في صناعة النفوذ الاقتصادي للمملكة وتدعم مسيرتها نحو اقتصاد متنوع ومستدام، وإما أن تبقى هياكل بروتوكولية تستهلك الموارد دون أن تضيف قيمة حقيقية.

التحول ممكن، وأدواته معروفة، والإرادة السياسية موجودة. ما ينقص هو القرار المؤسسي الجريء بإعادة البناء من الداخل،وفق رؤية واضحة وأهداف قابلة للقياس وإرادة حقيقية للتغيير.

* نقلا عن صحيفة "مال"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط