السيادة التقنية وتحدياتها
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
عندما تسبب تحديث برنامج خاطئ في انقطاع عالمي للتقنية العام 2024 أوقفت شركات الطيران الرحلات الجوية، وتعطل عدد من الخدمات الصحية والبنكية، حيث أصيب أكثر من 8 ملايين جهاز حاسوبي. غالبا ما تتحدث الحكومات عن السيادة بلغة الحدود والجيوش وأمن الطاقة والدبلوماسية. لكن هذه الحادثة بينت أن السيادة تقنية أيضا.
معظمنا لا يرى الأنظمة الكبرى التي تعمل خلف الستار، مثل نظام تخطيط الموارد المؤسسية. نادرا ما يطرح موضوع هذه الأنظمة إعلاميا إلا في الأزمات، فهي تعمل في الخفاء خلف الوزارات والمستشفيات والموانئ وسلطات الجمارك ووكالات الدفاع والصناديق السيادية وشركات الطاقة، تنسق هذه الأنظمة بهدوء الآلات اليومية للدولة الحديثة. تدفع الرواتب من خلالها، تتدفق المشتريات من خلالها، وتعتمد المخزونات والعقود والخدمات اللوجستية ومراجعة الحسابات والامتثال والتخطيط المؤسسي، كل ذلك على منصات مؤسسية متكاملة تعمل خلف الستار.
على سبيل المثال، عملت أنظمة تخطيط الموارد المؤسسية لسنوات باعتبارها أنظمة مستقلة بيروقراطية باهظة الثمن لا ترى خارج الإدارات المالية ووحدات تقنية المعلومات. هذه النظرة بدأت تنهار. في عصر يشكله الذكاء الاصطناعي والتحديات السيبرانية والتركيز على الهجرة الجماعية إلى السحابة والتهديدات الجيوسياسية، بدأت أنظمة تخطيط الموارد المؤسسية تتحور من كونها أدوات إدارية إلى بنية تحتية استراتيجية.
تمارس اليوم الدولة الحديثة سلطتها بالسيطرة على تدفق المعلومات. تفقد المؤسسة الحديثة فاعليتها إذا عجزت عن تنسيق البيانات عبر شبكة أنظمتها بسرعة آنية، سواء في مجال الرعاية الصحية اعتمادا على الخدمات اللوجستية المتكاملة، أو قطاع الطاقة الذي يعتمد على التخطيط التشغيلي المتزامن، وغيرها من الأنظمة المترابطة في الجمارك والتجارة الدولية وأنظمة المشتريات. كل هذه الأنظمة في طور التداخل والتقارب حتى تعلو نسبة الاعتمادية في بنية موحدة. مما يعني أن الأنظمة المؤسسية ليس غرضها الكفاءة فقط، إنما أصبحت جزءا من الجهاز العصبي للمؤسسة.
كل ما سبق يؤدي لسؤال صعب: ماذا تعني السيادة عندما تعمل المؤسسات عبر طبقات برمجية متراكمة خارج سيطرتها بالكامل؟
إذا كان ثمة مشكلة سيادية فليس الحل العزلة التقنية. لا يمكن لأي مؤسسة أن تستقل بالمعنى الخالص من كل البنى الرقمية الحديثة. ولا يمكن للمؤسسات أن تعتمد كاملا على بنية خارجية متجاهلة لأجل غير مسمى الآثار الاستراتيجية من ذلك. بمرور الوقت، يتراكم هذا الاعتماد في ما يمكن تسميته بالديون التقنية السيادية. يؤدي الدين التقني السيادي عند تراكمه إلى تآكل تدريجي للاستقلالية المؤسسية، إلى أن تصل إلى مستوى حرج لا يمكن تأدية وظائف المؤسسة الحرجة التي تراكمت ديونها السيادية إلا بهذه الأنظمة فاقدة قدرتها على الاستقلال والسيطرة.
لذلك ربما لا يعتمد مستقبل السيادة على القوة العسكرية أو أمن الطاقة أو المرونة الاقتصادية فحسب، بل يعتمد على من يحكم البنى غير المرئية التي تعمل من خلالها المؤسسات نفسها أيضا. في القرن الحادي والعشرين، قد تتكشف المؤثرات الجيوسياسية بوضوح في مناطق لم نعهدها لتطل من نافذة التقنية في شكل قواعد البيانات والعقود السحابية وبرمجيات التطبيقات المحمولة.
* نقلا عن صحيفة "الرياض"