الخائفون من الذكاء الاصطناعي
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
لم يكن الأربعاء الماضي يوماً عادياً في تاريخ العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والمتضررين منه، ففي هذا اليوم أعلنت شركة ميتا الأميركية تسريح نحو 8000 موظف، أي 10% من قوة العمل الإجمالية، بهدف تسريع التحول نحو الذكاء الاصطناعي، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، إذ أُعيد توزيع 7000 موظف آخرين على مشاريع الذكاء الاصطناعي الجديدة، كأن الشركة تقول لموظفيها: إما أن تكونوا جزءاً من الآلة، وإما أن تطردوا من وظائفكم.
ليس قرار شركة ميتا حدثاً معزولاً، بل إنه يأتي في سياق عام ومتناغم تماماً، فخلال الأشهر الأولى من عام 2026، تجاوز عدد المطرودين من قطاع التكنولوجيا 50 ألف موظف، أو 90 ألف موظف وفقاً لبعض التقديرات، وتبرر الشركات شطب الوظائف برغبتها في إعادة الهيكلة لتعزيز اعتمادها على الذكاء الاصطناعي، وبصرف النظر عن الأعداد الحقيقية للموظفين المطرودين من أعمالهم، فإن هذه الأرقام الباردة تحمل في طياتها حكايات إنسانية مأساوية، فمنهم من يتساءل وهو ما يزال في منتصف العمر: لماذا طردوني من عملي. ما قيمتي، وأين أذهب؟ وهناك خريجون جدد أغلقت أمامهم أبواباً لطالما كانت مفتوحة على مصراعيها حتى وقت قريب، فأين الخلل إذاً؟
باعتقادي، فإن الذكاء الاصطناعي لا يأتي كوحش يلتهم الوظائف فجأة، بل إنه يزحف ببطء ليغير شكل العمل نفسه، فهو يعد الجميع بإنتاجية هائلة وكفاءة مذهلة، لكنه في الوقت ذاته يُعيد رسم الخريطة الاقتصادية بطريقة تجعل الكثيرين يشعرون بأنهم أصبحوا زائدين عن حاجة العمل، والمفارقة أن الشركات تحقق أرباحاً قياسية من جهة، وتطرد موظفيها من جهة أخرى، كما فعلت "ميتا" التي حصدت إيرادات بقيمة 56.3 مليار دولار خلال الربع الأول، واستثمرت عشرات المليارات في بناء مراكز بيانات ونماذج ذكية، ودفعت هذه المبالغ من توفير رأس المال البشري أو الموارد البشرية، والأدهى، أن الخوف لم يعد يقتصر على الموظفين الحاليين، فالجيل الجديد الذي يدخل الحياة المهنية للتو يشعر أيضاً بخوف غير مسبوق، واستطلاعات الرأي تكشف عن فجوة واسعة بين تفاؤل الخبراء بالاختراقات المذهلة للذكاء الاصطناعي، وبين قلق المجتمع من تأثيره على مستقبلهم ولقمة عيشهم اليومية.
زبدة الكلام، أن الذكاء الاصطناعي ليس عدواً، وليس خلاصة سحرية، لكنه أداة بيد الإنسان، فإما أن يجعله شريكاً موثوقاً يرفع من قدراتنا ويوسع آفاقنا، فيصبح نعمة على أجيالنا القادمة، وإما أن يتحول الذكاء الاصطناعي، بسبب سوء الإدارة، إلى مصدر قلق اجتماعي واقتصادي يُعمق الفجوات بين البشر، وعلى هذا، فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق بالخائفين من الذكاء الاصطناعي، بقدر ما يتعلق بكيفية صناعة مستقبل زاهر يطمئن فيه الإنسان إلى أن مكانه في هذا العالم لا يزال محمياً ومقدراً، وأن وظيفته ليست في مهب الريح، وهذا هو التحدي الحقيقي.
* نقلا عن صحيفة "الرياض"