اقتصاد السعودية

العائد السهل والسيولة الصعبة

ثامر بن فهد السعيد
ثامر بن فهد السعيد
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
3 دقائق للقراءة

في الاستثمار، لا تأتي الجاذبية دائما من الفكرة الجديدة، بل أحيانا من الوعد القديم بصياغة مختلفة: عائد أعلى، تقلب أقل، وبديل لا يتحرك كل يوم أمام شاشة الأسعار، هذه عناصر لفتت الانتباه إلى الائتمان الخاص خصوصا في زمن الفائدة المنخفضة، ليس لأنه اختراعا ماليا معقدا فقط، بل كمساحة بين البنك والسوق؛ شركة تحتاج تمويلا أسرع، ومستثمر يبحث عن دخل أعلى، ومدير صندوق يضبط سير الحلقة.

لكن السؤال المؤجل حتى أول ملامح عاصفة: ماذا يحدث حين يريد المستثمر الخروج من أصل بُني أصلا على البقاء؟ هنا تظهر المفارقة بين العائد السهل والسيولة الصعبة، شهدت صناديق ائتمان خاص عالمية طلبات استرداد كبيرة، وتراجعت إصدارات القروض المباشرة في الولايات المتحدة بنحو 40% خلال 3 أشهر، ما يعني أن السوق لا يختبر جاذبية العائد فقط، بل يختبر صدق الوصف الذي قُدم للمستثمر منذ البداية.

الائتمان الخاص ليس عيبا في ذاته. بل قد يكون من أكثر الأدوات ملاءمة لمرحلة تحتاج فيها الشركات المتوسطة إلى تمويل لا تمنحه البنوك بالسرعة أو المرونة الكافية، ولا تستطيع الأسواق العامة توفيره لكل شركة. وفي السعودية والمنطقة، تبدو هذه الحاجة أوضح مع نمو المنشآت الصغيرة والمتوسطة، وارتفاع متطلبات مشاريع التحول، واتساع صناعة إدارة الأصول.

فحين تتجاوز الأصول المدارة في السعودية تريليون ريال، وتستثمر شركة مثل SVC في عشرات صناديق رأس المال الخاص التي وصلت إلى أكثر من ألف شركة ناشئة ومنشأة صغيرة ومتوسطة، يصبح الحديث عن الائتمان الخاص جزءا من تطور طبيعي في تمويل الاقتصاد، لا مجرد موضة استثمارية مستوردة.

وتزداد أهمية هذه الأداة عندما ننظر إلى طبيعة التمويل في المنطقة. فالقطاع المصرفي قوي، لكنه لا يستطيع وحده أن يمول كل شركة في مرحلة نمو، ولا كل صفقة توسع، ولا كل نشاط يحتاج إلى هيكلة خاصة.

وفي المقابل، لا تصل كل الشركات إلى السوق المالية العامة، ولا تناسبها شروط الطرح والإفصاح والتداول. بين هذين الطرفين تنشأ مساحة الائتمان الخاص: تمويل مباشر، تفاوضي، يعطي الشركة مرونة، ويعطي المستثمر عائدا أعلى، لكنه لا يعطيه بالضرورة سيولة سهله عند الطلب.

غير أن الفرصة لا تكتمل بالعائد! فكل عائد إضافي يجب أن يقرأ كسعر لمخاطر إضافية: مخاطر المقترض، ومخاطر التقييم، ومخاطر طول المدة، ومخاطر أن يكون باب الخروج أضيق من باب الدخول. هنا لا يكفي أن يقال للمستثمر إن الأداة تحقق دخلا أعلى من أدوات الدين التقليدية، بل يجب أن يفهم أن السيولة نفسها جزء من التسعير. فمن يقبل أصلا لا يباع يوميا، يجب أن يحصل على عائد يعوضه عن الانتظار، لا انتظار يطغى على جودة العائد.

لذلك، فإن نمو الائتمان الخاص في السعودية والمنطقة فرصة مهمة إذا صاحبه: إفصاح أوضح، تقييم مستقل، مواءمة بين الأموال المستثمرة وآماد القروض، وحدود استرداد مفهومة قبل الاستثمار لا بعده. المشكلة ليست أن يبحث المستثمر عن عائد أعلى، ولا أن تبحث الشركات عن تمويل بديل، بل أن تختلط الوديعة بالقرض، والسند بالصندوق، والسيولة الموعودة بالسيولة الممكنة.

في النهاية، لا يهدد الائتمان الخاص الاقتصاد لأنه ينمو، بل حين ينمو أسرع من فهم المستثمرين لطبيعته. فالتمويل البديل يمكن أن يكون جسرا مهما بين رأس المال والفرص، لكنه جسر طويل؛ من يعبره بحثا عن العائد، عليه أن يعرف منذ البداية أن العودة ليست دائما بالسرعة نفسها.

* نقلا عن صحيفة "الاقتصادية"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط