الذكاء الاصطناعي.. وهدر الموارد
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
لو رأيتَ شاحنةً ضخمة تُطلق محركاتها بكامل قوتها لتوصل طرداً بريدياً صغيراً إلى الجهة المقابلة من الشارع، فماذا سيكون شعورك؟ ستبتسم على الأرجح، وتقول: نعم، وصل الظرف، لكن المؤكد هو أن هذه الوسيلة أكبر بكثير من الغاية، وهذا بالضبط ما نفعله اليوم مع الذكاء الاصطناعي، حيث نستدعي أقوى النماذج الذكية لكتابة رسالة قصيرة، أو تهذيب جملة بسيطة، أو الإجابة عن سؤال يمكننا الإجابة عنه باستخدام عقلنا أو أداة أبسط.
أحياناً عند استخدام الذكاء الاصطناعي، تبدو النتيجة مُرضية، لكن التكلفة الحقيقية باهظة، فكل طلب يستهلك كهرباءً ومياهاً وطاقة حرارية بشكل هائل، وإن كان ذلك لا يظهر لنا مباشرة، ولكي نبسط الفكرة أكثر، فإن الذكاء الاصطناعي يشبه الكهرباء في حياتنا: إنه حاضر دائماً، ولكنه غير مرئي في الوقت ذاته، ولأن الذكاء الاصطناعي يبدو سحابياً وخفيفاً، فإننا ننسى أن السحابة في الحقيقة ليست سوى مراكز بيانات عملاقة مليئة بالخوادم والرقائق والمراوح والمبردات، وكل استفسار بسيط يطلقه ملايين المستخدمين يومياً يتحول إلى عبء ثقيل على شبكات الطاقة العالمية.
تتوقع وكالة الطاقة الدولية أن يصل استهلاك مراكز البيانات من الكهرباء بحلول عام 2030 إلى نحو 945 تيراواط/ساعة، أي ما يقارب ضعف ما تستهلكه بعض الدول حالياً. هذا ليس مجرد رقم، بل تحذير من أن المشكلة ليست في الذكاء الاصطناعي نفسه، بل في طريقة استخدامنا له. نحن اليوم كمن يستخدم مدفعاً لقتل ذبابة، ثم نتعجب من ارتفاع فاتورة البارود، والسؤال هنا: كيف نمارس حكمة الاستخدام للذكاء الاصطناعي؟ أولاً: يجب أن تختر الأداة المناسبة للمهمة، فليس كل سؤال يحتاج إلى أقوى نموذج ذكي. أحياناً يكفي محرك بحث عادي، أو حتى تأمل هادئ.
ثانياً: كن واضحاً في طلبك لأن السؤال المبهم يولد أسئلة لاحقة، وكل سؤال إضافي يستهلك طاقة جديدة، والأمر يشبه السائق الماهر الذي يوفر كمية البنزين المناسبة إذا عرف منذ البداية كمية المسافة التي يقطعها بالسيارة حتى يصل إلى وجهته، وثالثاً: اطلب فقط ما تحتاجه: لا تطلب كتاباً إذا كنت تريد صفحة، ولا تقريراً مطولاً إذا كنت تحتاج إلى نقاط مختصرة، ورابعاً: كن أكثر حذراً مع الصور والفيديوهات والملفات الصوتية، فهي تستهلك موارد أكبر بكثير من النصوص.
باعتقادي، فإن المسؤولية الأكبر تقع على عاتق المؤسسات الكبرى والحكومات، إذ يجب ألا نضيف الذكاء الاصطناعي إلى كل شيء لمجرد لأنه رائج، وقبل كل مشروع، ينبغي أن نسأل أنفسنا: ما هي المشكلة الحقيقية التي نحاول حلها؟ وهل الذكاء الاصطناعي هو الحل الأمثل، أم أن هناك وسيلة أبسط وأقل تكلفة؟ لا يجادل أحد أن الذكاء الاصطناعي أداة عظيمة، لكنه أيضاً مثل النار: نعمة إذا أحسنّا استخدامها، وكارثة إذا أفرطنا فيها، فلنكن حكماء في استخدامه، قبل أن نجد أنفسنا نستخدم شاحنات عملاقة لنقل ظروف صغيرة، وندفع ثمناً باهظاً لا نراه، حتى يصبح مرئياً في فواتير الطاقة والكهرباء وارتفاع درجة حرارة الأرض.
* نقلا عن صحيفة "الرياض"