السلعة من المخزون للتداول
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
في الاقتصاد، لا تكفي الوفرة وحدها لصناعة القيمة. قد تملك الدول موردا ضخما، وقد تبني حوله مصانع وموانئ وسلاسل إمداد، لكن المورد يبقى ناقصا ما لم يجد سوقا تعرف كيف تسعره، وأداة تحوط تحمي المتعاملين فيه، ومرجعا ماليا يستطيع المستثمر أن يبني عليه قراره ويستدل إلى تسعير السلع من خلاله. لذلك خطوة هيئة السوق المالية في فتح باب الترخيص لإنشاء بورصة سلع في السعودية ليست مجرد إعلان تنظيمي لسوق جديدة وحسب، فهي جزء من انتقال أوسع في الاقتصاد من امتلاك الموارد إلى بناء الأسواق التي تمنح هذه الموارد قيمتها داخل الاقتصاد.
أعلنت الهيئة استقبال طلبات الترخيص لممارسة نشاط بورصة السلع، مع توجه لمنح رخصة واحدة خلال هذه الفترة. وهذا التفصيل مهم؛ لأن المسألة لا تتعلق بإضافة شاشة تداول جديدة، بل ببناء بنية سوقية قادرة على التعامل مع عقود السلع والمعادن ومشتقاتها. فالسلعة في صورتها التقليدية تقاس بالكميات المخزنة أو المصدرة، أما في صورتها المالية الحديثة فتقاس أيضا بقدرة السوق على اكتشاف سعرها، وتوزيع مخاطرها، وتحويلها من أصل مادي إلى أداة قابلة للتمويل والاستثمار.
وتزداد أهمية هذه الخطوة عندما تقرن بجانب الثروة المعدنية المقدرة بنحو 9.4 تريليون ريال في السعودية حيث لا تكفي وحدها لصناعة قطاع عميق ما لم تتحول إلى منظومة إنتاج وتسعير وتمويل. التعدين لا يبدأ من المنجم وينتهي عند التصدير، بل يمر بالتسعير، وتذبذب الطلب، وتكلفة المدخلات، وقدرة المنتج حماية هامشه بالتحوط. وهنا تظهر فائدة بورصة السلع كأداة تنظيمية واقتصادية في آن واحد.
الأهم ألا تُفهم بورصة السلع كمساحة للمضاربة فقط. وظيفتها الأكثر أهمية قد تكون في التحوط. فشركة صناعية تحتاج إلى تثبيت جزء من تكلفة مدخلاتها، وشركة تعدين قد ترغب في حماية جزء من إيراداتها المستقبلية، ومصدر أو مستورد يحتاج إلى إدارة أثر تقلب الأسعار على عقوده. كل هؤلاء لا يبحثون بالضرورة عن ربح سريع من حركة السعر، بل عن تقليل المفاجأة في نشاطهم الأساسي. وهذا هو الفارق بين السوق التي تضيف مخاطرة، والسوق التي تساعد على إدارتها، وبين سعر يعرفه الجميع وسعر يبقى أسير تفاوض ضيق.
ومن زاوية أوسع، فإن السوق المالية السعودية لا تكتمل بعمق سوق الأسهم وحده. المراكز المالية الكبرى لا تقوم على الأسهم فقط، بل على الدين، والمشتقات، والصناديق، وأدوات التحوط، وأسواق السلع. وكل أداة جديدة لا تضيف منتجا استثماريا فحسب، بل تضيف طبقة جديدة من قراءة الاقتصاد نفسه. فحين توجد سوق منظمة للسلع، يصبح بالإمكان قراءة تكلفة الصناعة، وشهية المستثمر، وتوقعات الطلب، ومخاطر الإمداد من داخل السوق لا من خارجها.
أما الأثر الأبعد، فهو على طبيعة الاستثمار في السعودية وجاذبيتها الدولية. المستثمر الأجنبي لا يبحث فقط عن مورد واعد، بل عن سوق واضحة، وسيولة قابلة للنمو، وتنظيم موثوق، وآلية تسليم وتخزين، وبيانات سعرية يمكن أن تتحول مع الوقت إلى مرجع إقليمي. لذلك فإن نجاح بورصة السلع لن يقاس بمجرد إطلاقها، بل بقدرتها على جذب المنتجين والمستهلكين وصناع السوق والمؤسسات المالية العالمية. عندها لا تصبح السعودية طرفا في دورة السلع فقط، بل منصة من منصات تسعيرها وإدارة مخاطرها وصولا إلى تسليم السلع لأن بورصات السلع الأهم في العالم هي تلك التي تمكنت من تحويل هذا السوق من عقود متداوله إلى تداول وتسليم.
فالدول لا تكسب من امتلاك الموارد وحدها، بل من امتلاك الأسواق التي تسعّر هذه الموارد، وتحوّلها من مخزون في الأرض إلى قيمة في الاقتصاد.
* نقلا عن صحيفة "الاقتصادية"