اقتصاد

الاقتصاد التشاركي حين يحتكر المشاركة

ثامر بن فهد السعيد
ثامر بن فهد السعيد
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
3 دقائق للقراءة

اعتدنا أن نقرأ أخبار الاستحواذات باعتبارها سباقًا على زيادة الحصة السوقية أو التوسع الجغرافي، لكن بعض الصفقات تتجاوز ذلك لتعلن تحولًا في طبيعة القطاع نفسه. وهذا ما تعكسه صفقة استحواذ أوبر على دلفري هيرو، التي تُقيّم الشركة الألمانية بنحو 13 مليار يورو (14.8 مليار دولار)، مقابل 41.50 يورو للسهم. وإذا اكتملت بعد الموافقات التنظيمية المتوقعة في النصف الثاني من 2027، فستنشأ أكبر منصة لتوصيل الطعام خارج الصين، تعمل في 99 دولة، وبقيمة طلبات مجمعة تقارب 236 مليار دولار وفق بيانات 2025.

ورغم ضخامة قيمة الصفقة، فإن أوبر لا تستحوذ على مطاعم أو أساطيل توصيل، بل تشتري شيئًا أكثر قيمة؛ قاعدة مستخدمين واسعة، وبيانات سلوكية متراكمة، وشبكة تشغيل تمتد عبر عشرات الأسواق. فالأصل الحقيقي في اقتصاد المنصات لم يعد السيارة أو الدراجة أو حتى المطعم، بل المستخدم الذي يفتح التطبيق يوميًا، والبيانات التي يولدها في كل عملية شراء.

وهنا يكمن التحول الحقيقي. فالاقتصاد التشاركي عندما ظهر قبل أكثر من عقد، قام على فكرة استغلال الأصول غير المستخدمة؛ سيارة خاصة، أو منزل، أو وقت فراغ لدى شخص يرغب في العمل. كانت المنصة مجرد وسيط يربط بين طرفين. أما اليوم فقد أصبحت المنصة هي السوق نفسها، تدير العلاقة بين جميع الأطراف، وتحدد ترتيب ظهور المطاعم، وآلية التسعير، وحوافز السائقين، والعروض الموجهة لكل عميل، مستندة إلى مليارات البيانات المتدفقة يوميًا.

وهذا ما يمنح الشركات الكبرى ميزة يصعب منافستها، تعرف اقتصاديًا ب"تأثيرات الشبكة". فكل عميل جديد يجذب مطاعم أكثر، وكل مطعم جديد يحسن تجربة العميل، فتزداد الطلبات، وتتحسن كفاءة توزيع السائقين، وتنخفض تكلفة التشغيل، لتدور الحلقة باستمرار. ومع مرور الوقت لا يصبح أكبر منافس هو الأكثر كفاءة فحسب، بل يصبح أيضًا الأصعب في منافسته، حتى دون أن يمارس احتكارًا بالمعنى التقليدي.

ولذلك لم يعد تقييم هذه الشركات يعتمد فقط على أرباحها الحالية، بل على قدرتها المستقبلية في الاحتفاظ بالمستخدم، ورفع متوسط إنفاقه، وإضافة خدمات جديدة داخل التطبيق نفسه؛ من النقل إلى الطعام، ومن البقالة إلى المدفوعات والاشتراكات. وكل خدمة جديدة تخفض تكلفة اكتساب العميل للخدمة التالية، وهو ما يفسر استعداد المستثمرين لدفع مليارات الدولارات مقابل هذه المنصات.

أما على المستوى المحلي، فإن أهمية الصفقة لا تكمن في انتقال ملكية "هنقرستيشن" إلى مظلة أوبر العالمية فحسب، بل في تأثيرها المحتمل على هيكل المنافسة في سوق يشهد دخول لاعبين أقوياء مثل جاهز وكيتا إلى جانب هنقرستيشن. وعلى المدى القريب قد يستفيد المستهلك من تقنيات أفضل وعروض أكثر بفضل وفورات الحجم، لكن على المدى الأطول ستزداد أهمية دور الجهات التنظيمية في المحافظة على المنافسة العادلة، وضمان ألا تتحول قوة البيانات وضخامة الشبكات إلى عائق أمام دخول منافسين جدد، أو إلى عامل يضعف القدرة التفاوضية للمطاعم والسائقين. فالمنافسة الحقيقية في المستقبل لن تكون على سرعة التوصيل، بل على من يملك بوابة الوصول إلى العميل.

ولعل هذه هي الرسالة الأهم التي تحملها الصفقة. فالاقتصاد التشاركي لم يعد قائمًا على مشاركة الأصول كما كان عند ظهوره، بل أصبح قائمًا على امتلاك المنصة التي تدير تلك المشاركة. وهنا يبرز السؤال الاقتصادي الأهم: عندما تصبح منصة واحدة قادرة على إدارة الطلب، وتوجيه المستهلك، وجمع البيانات، وربط النقل بالطعام والتجارة في تطبيق واحد، فهل ما زلنا أمام اقتصاد تشاركي يوسع الخيارات؟ أم أننا انتقلنا إلى مرحلة جديدة، يكون فيها الاحتكار نتيجة طبيعية لحجم الشبكة، لا لحجم الأصول؟

* نقلا عن صحيفة "الاقتصادية"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.