لا يُصلح الذكاء الاصطناعي ما أفسدته المؤسسة
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
تبدأ كل مؤسسة بإعلان عن الذكاء الاصطناعي بطريقة مشابهة: اختيار النموذج ومراكز البيانات وربما حوكمة الاستخدام. الافتراض الذي يمهد لكل ذلك أن الذكاء المؤسسي نتيجة طبيعية من التقنية الجديدة إذا أحسن اختيارها واستخدامها. الأمر أكثر تعقيدا من استخدام التقنية وتركيبها إذا كانت هموم السيادة التقنية تلقي عليك بظلالها.
يمكن للمؤسسة أن تسلم كل مسؤول مساعدا يلخص التنظيم، ويبحث في أرشيف المشتريات، ويصوغ سياساتها في ثوان، لكنه سيعجز عن الإجابة عن الأسئلة المهمة التي لن تجدها في الوثائق مثل سبب توقف الدفع في شهر صفر، ولماذا استثنت المؤسسة إدارة التشغيل من سقف التوظيف لتلك السنة دون السنوات السابقة، ولماذا يرجح مدير عام الموارد البشرية أن يمدد هذه الاستثناء للسنة القادمة؟ الوثائق التي تسجل مجريات اتخاذ القرار موجودة، لكن السياقات التي تفسرها مفقودة. هذه الفجوة هي موضوع السيادة على الذكاء الاصطناعي التي لا يكاد يتحدث عنها أحد.
ليست المشكلة في المعلومات الموجودة في الأنظمة، تلك التي يتطلب منا تجميعها وترتيبها، إنما في المعلومات التي ليست في الأنظمة ولم تكن ولو ليوم واحد فيها. المعلومات المفقودة التي يحتاجها الذكاء الاصطناعي هو منطق المؤسسة الذي يتراكم ليفسر عمل المؤسسة وثقافتها. انها الذاكرة المؤسسية الموزعة في منهج العمل والقائمين عليه، ممثلا بأسلوب حل المشكلات ومنهجيات البحث عن البدائل ومنطق اتخاذ القرار. لن تجد هذه المعلومات محفوظة في أي نظام موجود الآن.
مكمن الخطر أن ينجح الذكاء الاصطناعي في استيعاب واستخلاص المعلومات المتوفرة له ويملأ الفجوة المعرفية باستنتاجاته التي تبدأ في إعادة توجيه القرارات إذا أتيح له المجال بذلك. إذا وجهت نموذجا قادرا إلى استخلاص المعلومات المجزأة والممارسات غير الموثقة فلن يتوقف عند النقص ويعلن عجزه. ما سيجري هو العكس، سينتج إجابة واثقة ومكتوبة جيدا دون أي أساس، وإذا مرت دون مراجعة، ستدخل في نسيج المؤسسة ويصعب فرزها. في المقابل، الذكاء الاصطناعي أقدر أداة لسد هذه الفجوة إذا وضعت ضمن الاستراتيجية الرقمية. سيكون مطلوبا من الذكاء الاصطناعي إعادة بناء ذاكرة المؤسسة لتوفر تفسيرا لأعمالها يكفي لمساندة اتخاذ القرار الاستراتيجي والتنفيذي.
يمكن للتقنية نفسها توسيع الفجوات أو ردمها. دور النموذج محدود اذا لم تقدم له المعلومات اللازمة، والتحدي الحقيقي هو ما إذا كانت الذاكرة المؤسسية موجودة بحيث يمكن استخلاصها ممن لديه ذاكرة المؤسسة ومن لديه أطياف منها.
هذا يعيد صياغة ما تعنيه السيادة التقنية. يتضاءل سؤال من يملك النموذج أو من يستضيف مركز البيانات أمام من يفهم سير العمل الذي أنتج البيانات، ومن يفسر منطق تصميم النظام والسياق الذي أنتجه، ومدى مرونة المؤسسة أمام تحديات الموردين واستقرارهم في السوق محليا وعالميا تحت الضغوط الجيوسياسية.
الحقيقة التي لا بد أن نتعامل معها أن الذكاء المؤسسي لا تنتجه النماذج أو البيانات وحدها. تعتمد جودة النموذج على جودة المعلومة التي تملكها المؤسسة. في سباق الذكاء الاصطناعي لن يرجح النموذج الأقوى كفة المتسابقين أو يقطع بهم المسافة الأبعد، طالما أن المعرفة المؤسسية قاصرة. الميزة التنافسية ستكون في يد الذي يستطيع أن يمسك بمعرفته المؤسسية ويوظفها التوظيف الأمثل.
* نقلا عن صحيفة "الرياض"