اقتصاد

شفرة الدماغ المالية .. كيف تحكم البيولوجيا قراراتنا؟

بدر سالم البدراني
بدر سالم البدراني
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
3 دقائق للقراءة

في عالمٍ ظلّ لعقودٍ طويلة يُسوّق لفكرة أن الإنسان كائن عقلاني يحسب قراراته الاستثمارية والاستهلاكية بحياد مالي صارم، جاء علم الاقتصاد العصبي ليفكك هذه الفرضية من جذورها، مقدماً دليلاً بيولوجياً قاطعاً على أن أسواق المال وقرارات التسوق اليومية تُدار في المقام الأول بمركّبات كيميائية وإشارات كهربائية معقدة داخل الدماغ البشري. هذا الحقل المعرفي الهجين، الذي يدمج بين علم الأعصاب وعلم النفس والاقتصاد، يستعين بتقنيات التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي وتخطيط الدماغ لقياس التدفق الدموي والنشاط العصبي لحظة اتخاذ القرار، ليرسم خريطة بيولوجية دقيقة لكيفية مفاضلة العقل بين الربح والمخاطرة.

تُظهر الأبحاث الدقيقة في هذا المجال أن القرار المالي ليس مجرد معادلة رياضية تُحل في القشرة المخية الحديثة، بل هو ساحة صراع محتدم بين نظامين عصبين؛ القشرة الجبهية المدارية المسؤولة عن التفكير التحليلي والتخطيط طويل المدى، والنظام الحوفي المتمثل باللوزة الدماغية المسؤولة عن المشاعر السريعة كالانفعال والخوف. وتؤكد الدراسات الصادرة عن معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا أن أدمغة المتداولين في أسواق الأسهم تسجل نشاطاً مكثفاً في القشرة الجزيرية المسؤولة عن معالجة الألم الجسدي بمجرد تعرضهم لخسائر مالية، حيث أثبتت التجربة العلمية أن ألم الخسارة المادية يعادل بيولوجياً ضعف اللذة الناجمة عن تحقيق ربح بمقدار المبلّغ نفسه. هذه الظاهرة، المعروفة بـ "كُره الخسارة"، تفسر سلوكيات استثمارية غير منطقية كتمسك الأفراد بالأسهم الخاسرة لفترات طويلة تفادياً لتجرع مرارة الإقرار بالهزيمة المادية.

وفي سياق متصل، يلعب ناقل الدوبامين العصبي دور المايسترو المحرك لرغبة المخاطرة؛ إذ تشير الأبحاث السلوكية الصادرة عن جامعة ستانفورد إلى أن الدماغ لا يتفاعل مع القيمة المادية الملموسة للمكافأة بقدر تفاعله مع ما يُعرف بـ "خطأ توقع المكافأة". فعندما يحقق المستثمر أرباحاً غير متوقعة، يتدفق الدوبامين بنسب قياسية في المنطقة البطنية للمخ، مما يولد شعوراً نشواناً يدفع الفرد لتكرار السلوك المخاطر مجدداً. وبحسب إحصائيات منشورة في مجلة نيورون العلمية، فإن قرارات التداول السريعة تحت تأثير الارتفاع اللحظي للدوبامين ترتفع فيها نسبة الخطأ والاندفاع بنسبة تتجاوز 35% مقارنة بالقرارات المتأنية، وهو ما يفسر حدوث الفقاعات الاقتصادية وانفجارها السريع في الأسواق العالمية.

ولا يقتصر تأثير البيولوجيا على حسابات المكسب والخسارة الفردية، بل يمتد ليشكل أساس التعاملات الاجتماعية والتجارية كالثقة. ففي دراسة طبية أُجريت في جامعة زيورخ باستخدام "لعبة الإنذار" الاقتصادية، لوحظ أنه عند عرض تقسيم غير عادل للأموال بين مشاركَيْن، ينشط الجزء الدماغي المسؤول عن الاشمئزاز، مما يدفع 80% من المشاركين لرفض الحصول على المال كلياً لمعاقبة الطرف الآخر على عدم عدالته، مفضلين الحرمان المالي على التنازل عن الشعور بالإنصاف. كما أظهرت التجارب أن حقن هرمون الأوكسيتوسين يزيد من معدلات الثقة المالية بين الشركاء بنسبة تصل إلى 17%، مما يثبت أن صفقات بمليارات الدولارات قد تتأثر بمتغيرات هرمونية لا واعية.

إن الفهم العميق لفيزيولوجيا القرار المالي فتح الآفاق لتطبيقات عملية إعادة تشكيل قطاعات التسويق؛ حيث بات يُستخدم "التسويق العصبي" لقياس مدى قيام المنتجات بتحفيز مركز المكافأة في الدماغ قبل طرحها بالأسواق. كما استندت القطاعات الخاصة لإنشاء وحدات "التوجيه السلوكي" لتصميم خطط ادخارية تستغل التحيزات العصبية الطبيعية لتشجيع المستثمرين على الاستثمار الآمن.

في النهاية، يؤكد الاقتصاد العصبي أننا لسنا آلات حاسبة تجسد شخصية المشتري المثالي، بل نحن كائنات بيولوجية تحكمها شبكة معقدة من التفاعلات الكيميائية، وأن استيعاب هذه الحقيقة هو الخطوة الأولى نحو بناء أنظمة مالية أكثر أماناً وإنسانية.

* نقلاً عن صحيفة "مال"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط