أغلى سباق في التاريخ تقني!
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
كل ثورة اقتصادية كبرى كان لها ثمن، وثمنها لم يكن يدفع دفعة واحدة. السكك الحديدية احتاجت إلى عقود من الاستثمار، والكهرباء امتدت شبكاتها تدريجيًا، والإنترنت تطور على مراحل حتى أصبح جزءًا من الحياة اليومية. أما الذكاء الاصطناعي، فيبدو أنه كسر هذه القاعدة، إذ تحولت المنافسة خلال فترة قصيرة إلى سباق مفتوح على الإنفاق، حتى أصبح السؤال اليوم ليس من يمتلك أفضل نموذج؟ بل من يمتلك القدرة المالية على الاستمرار في تطوير!
اللافت أن المستفيد الأول من هذه الثورة ليس بالضرورة الشركة التي تطلق النموذج الأكثر شهرة، بل المنظومة الاقتصادية التي تقف خلفه. شركات الرقائق الإلكترونية، ومراكز البيانات، ومنتجو الطاقة، ومصنعو أنظمة التبريد، ومشغلو شبكات الألياف البصرية، وحتى البنوك وأسواق الدين، جميعها أصبحت أطرافًا رئيسية في سباق الذكاء الاصطناعي.
فالخوارزمية التي يراها المستخدم على شاشة الهاتف تقف خلفها استثمارات بمليارات الدولارات في بنية تحتية لا يراها أحد وعلى سبيل المثال لا الحصر فإن أمازون ومايكروسوفت وجوجل بشركتها الأم ألفابت وميتا قد يصل إنفاقها على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي مجتمع 750 مليار دولار خلال 2026 بحسب تقارير تتابع تطور هذا القطاع ما يعني نمو في الإنفاق ب 77% عن السنة السابقة.
وهنا تظهر زاوية اقتصادية أكثر أهمية من الحديث المعتاد عن التقنية. فالتنافس لم يعد يدور حول البرمجيات فقط، بل حول القدرة على توفير رأس المال اللازم لتمويل هذا السباق. شركات التقنية الكبرى أعلنت خلال العام الحالي خططًا لرفع إنفاقها الرأسمالي إلى مستويات غير مسبوقة، في محاولة لبناء مراكز بيانات أضخم، وتأمين كميات أكبر من الرقائق، وزيادة قدراتها الحاسوبية. هذا الحجم من الإنفاق يعيد رسم خريطة تدفقات رؤوس الأموال عالميًا، ويجعل قطاعًا واحدًا يستقطب سيولة كان يمكن أن تتجه إلى قطاعات أخرى.
هنا يبرز سؤال مهم نحو توجه الاقتصاد: هل بدأ الذكاء الاصطناعي يزاحم بقية الأنشطة الاقتصادية على التمويل؟ فعندما تتجه مئات المليارات إلى قطاع واحد، فإن تكلفة رأس المال ترتفع، ويصبح الحصول على التمويل أكثر صعوبة بالنسبة إلى بعض الصناعات التقليدية.
هذه ليست مشكلة تقنية، بل إعادة توزيع للموارد على مستوى الاقتصاد العالمي، وقد تكون واحدة من أهم التحولات التي ستواجه المستثمرين خلال السنوات المقبلة وأيضا قد تشكل ازدحام خطر على هيكل الاقتصاد.
ورغم تشابه المشهد مع فقاعة الإنترنت في مطلع الألفية، فإن هناك اختلافًا جوهريًا. فحتى لو بالغت الأسواق في تقييم بعض الشركات، فإن البنية التحتية التي تُبنى اليوم لن تختفي بانتهاء دورة الأسواق. مراكز البيانات، وشبكات الكهرباء، والرقائق، ومنظومات الاتصال ستظل أصولًا منتجة يمكن أن تخدم الاقتصاد لعقود، تمامًا كما بقيت السكك الحديدية بعد انتهاء موجة المضاربات عليها في القرن التاسع عشر.
أما بالنسبة إلى السعودية، فليس الأهم كيف نستخدم الذكاء الاصطناعي؟ بل أين نريد أن نقف في سلسلة القيمة؟ هل نكتفي بدور المستهلك للتقنية، أم نستثمر في مراكز البيانات، والطاقة، والبنية الرقمية، والتمويل، لتصبح السعودية جزءًا من الاقتصاد الذي يُبنى حول هذه الثورة؟.
فالتاريخ يعلمنا أن الثورات الاقتصادية لا يصنعها من يستخدم التقنية أولًا، بل من ينجح في بناء الاقتصاد الذي تقوم عليه تلك التقنية. وربما يكون هذا هو أغلى سباق يشهده العالم منذ الثورة الصناعية، ليس لأن التقنية هي الأغلى، بل لأن رأس المال أصبح هو المتسابق الحقيقي.
* نقلاً عن صحيفة "الاقتصادية"