.
.
.
.

مصر.. مدينة الأبراج المائلة ترفض المصالحة قبل السقوط

نشر في: آخر تحديث:

يسعى محافظ الإسكندرية – ثاني أكبر المدن المصرية - إلى استصدار تشريعات تواجه حالة البناء المخالف للقوانين والمهدد بالسقوط لافتقاره الاشتراطات الهندسية اللازمة، وذلك بعدما تعرض لهجوم عنيف نتيجة تفاقم هذه الظاهرة في المدينة وفشل المحافظين المتعاقبين في مواجهتها. واعتاد البعض على تسمية هذه الأبراج بالمائلة، تعبيرا عن القلق من مخاطرها على أرواح قاطنيها.

وكان محافظ الإسكندرية هاني المسيري، في لقائه مع مراسل قناة "العربية" صارما في تأكيده إصرار الحكومة على المواجهة، واستشهد برفض رئاسة الجمهورية لفكرة التصالح مع المقاولين مقابل دفع مبلغ مالي إعلاء لسيادة القانون على الرغم من أن هذا سيحرم الموازنة من مليارات هي في أشد الحاجة إليها.

ويبدو الرفض منطقيا نظرا لفداحة الثمن، وهو إزهاق أرواح السكان حال انهيار هذه الأبراج، وهو ما تكرر خلال 2015 والأعوام التي سبقته.

مبالغات في العدد

بداية الحديث حملت رفض المسيري للإحصاءات التي تتحدث عن وجود 27 ألف عقار مخالف، وقال إن إدارته تجري حصرا دقيقا بأنواع المخالفات وأعدادها في كل حي، والمؤشرات تقول إن العدد قد يكون أقل بخمسين في المئة، ولكنه صرح بأن هناك عددا من قرارات الإزالة يتجاوز الثلاث مئة ألف ولم ينفذ منها إلا القليل.

ويتعلق أغلب المعوقات بمحاذير أمنية من تنفيذ قرار الإزالة في أحياء بعينها، ومنها ما يتعلق بتشريد أسر سكنت بالفعل هذه الأبراج الخطرة، وسيمثل طردهم مشكلة اجتماعية كبيرة تتمثل في عدم وجود بديل سكني ولو بصورة مؤقتة.

ويبدو أن المواطن الذي يسكن في منطقة السيوف بالإسكندرية - أحد أكثر الأحياء التي تنتهك فيها قوانين البناء والارتفاعات المسموح بها- غير مقتنع بهذا القصور الإداري، على حد وصف البعض.

وقال سامي بدوي، أحد سكان المنطقة، إن المواطن يتحمل المسؤولية، لأنه يعلم أنه يشتري عقارا مخالفا، ولكنه يقدم على الخطوة لانخفاض السعر مقارنة بالعقار المرخص.

ويعارضه أحمد الطالب الجامعي قائلا "دي ناس غلابة وجمعت الفلوس بالعافية أو عريس جديد، حتيجي تطلعهم وترميهم في الشارع مثلا؟".

وتنوي محافظة الإسكندرية التعامل مع المخالفات حالة بحالة، وستلتمس العذر لمن تعرض للنصب من المواطنين بسبب قيام المقاول بتزوير الرخصة أو غيره، ولكن بالنسبة لمشتري الوحدة الذي تغاضى عن كونها مخالفة للقانون يقول المسيري "آسف لا رحمة، وحنخش وننفذ على طول".

طرق الهدم

وذكر المسيري أن طرق الهدم اليدوي المتبعة من قبل المحافظة تفتح بابا جديدا للفساد بإغراء عمال الهدم بمبالغ أكبر، ما دفع به لاستقدام مقاولين محترفين من القاهرة يستخدمون آلات حديثة للهدم دون إحداث أضرار بالمباني المجاورة، ولكن هذا مرتبط بتوفير ميزانيات وأعداد كبيرة من مقاولي الهدم.

على الجانب الآخر يرى المواطن أن الفساد مصدره موظفو المحليات الذين سمحوا بمثل هذه المخالفات. فيقول هيثم خميس سائق سيارة الأجرة "فيه لعب بيحصل من تحت الترابيزة وتجاوزات من المهندسين في الحي"، وهو أمر لم ينفه المسيري تماما، ولكن على جانب آخر قال إن مهندسي الحي أيضا مهددون بالسجن لو قاموا بدورهم.

ويشرح المسيري أنه بالنسبة للمواطن فهو يرى العقار مخالفا بمجرد النظر إلى ارتفاعه أثناء السير في الشارع، ولكن تقرير المهندس يجب أن يتضمن عددا من المعايير تتطلب دخوله العقار، وعندها يحق لصاحب العقار مقاضاته بسبب ثغرة في القانون.

والتقينا في حي السيوف بنموذجين لساكني العقارات المخالفة، الأول هو مجدي الذي نصح المشترين بعدم شراء وحدات في الأدوار العليا. "محبش أسكن في الـ17 والـ18. ده معرض إن الحي ييجي يلعب بينا. بالنسبة للأدوار الأول التاني التالت، الميه والغاز والنور بيطلع فيها بسرعة".

المحافظ أصدر قرارا بالتنسيق مع وزراء الخدمات لقطع كافة المرافق عن العقارات المخالفة، ولكنه أدرك سريعا أن المواطن تكيف سريعا مع الوضع فقام بتوصيل الكهرباء والماء من عقارات مجاورة، مضيفا مزيدا من العشوائية للمنطقة.

أما النموذج الثاني فهو عبدالمريد محسن الذي ساهم مع ابنه في شراء شقة بقيمة مئة وعشرة آلاف جنيه، ولكن بعد سنة ظهرت الشقوق في حوائطها، فتركها الابن وانتقل للسكن في القاهرة في عقار أكثر أمانا. "الشقة دلوقت مش جايبة خمسة وسبعين جنيه".

إلى جانب فساد الموظفين يلجأ المقاولون ومالكو الأراضي إلى ما يعرف "بالكاحول".

وهو استخدام المقاول لاسم شخص كواجهة قانونية مقابل مبلغ من المال لتستخرج باسمه الرخصة وتوقع باسمه العقود، فإذا ساءت الأمور أو انهار العقار ربما تتم ملاحقة هذا الكاحول والزج به في السجن، ومنهم من يقبض الثمن ويعطيه لأسرته الفقيرة ويسافر خارج مصر هربا من المسؤولية.

غير قانوني

ويعترف المسيري أنه لجأ إلى طرق غير قانونية لمواجهة مافيا المباني المخالفة فيقول: "قصة ان انت تجيب حد مكانك يخش السجن وقفناها ان احنا عملنا خطاب ضمان يعني نبقى عارفين انت مين وعندك كام في البنك ورصيدك وغيره - وعملنا الحكاية دي واحنا عارفين انها غير قانونية بس كان الغرض تعطيل مؤقت لحين اصدار التشريعات اللي بتيجي من الرئاسة".

التشريعات المنتظرة ستتضمن مصادرة العقار وملاحقة المقاول والضبطية القضائية لموظفي الحي، ففي لعبة القط والفأر كما يصفها المحافظ بين الحكومة والمواطن المخالف لابد أولا من تحديد أولويات الإزالات بعد الحصر الدقيق للمخالفات والذي يجري الآن.

الوقت ليس في صالح المواطن أو الحكومة، وانهيار العقارات وارد في مدينة يسهل فيها إيجاد العقارات المائلة والمخالفة للاشتراطات الهندسية والقانونية، ولكن في نفس الوقت يصر المسيري على أنها "معركة النفس الطويل" والتي تحتاج لعدم إظهار أي تساهل.