.
.
.
.

لماذا فرضت الرسوم على الأراضي؟ وكيف ستنجح؟

عبدالحميد العمري

نشر في: آخر تحديث:

استكمالا للمقال "هل تأخر إعلان آليات رسوم الأراضي؟" المنشور هنا في صحيفة "الاقتصادية" قبل تسعة أيام (العدد 8015)، للحديث عن الأهمية القصوى التي يحملها هذا القرار للاقتصاد الوطني والمجتمع، خاصة مع اقتراب موعد إعلان تلك الآليات، التي مضى على موافقة مجلس الوزراء على التوصية الخاصة بها من قبل مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية أكثر من ستة أشهر (190 يوما)، وأن يتولى مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية مهام إعدادها والترتيبات التنظيمية المتعلقة بها، والرفع بما يتم التوصل إليه إلى مجلس الوزراء تمهيدا لإحالته إلى مجلس الشورى لاستكمال الإجراءات النظامية في هذا الشأن بشكل عاجل.

لقد استهدفت الرؤية الثاقبة والحصيفة من لدن رئيس مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية، والتوصية بفرض رسوم على الأراضي البيضاء داخل النطاق العمراني للمدن والمحافظات والمراكز، المواجهة المباشرة مع السبب الرئيس والأثقل وزنا خلف الأزمة العقارية والإسكانية لدينا، المتمثل في احتكار وحجز مساحات شاسعة من الأراضي البيضاء داخل المدن والمحافظات والمراكز، زاد من تضخم أسعارها السوقية بصورة تفوق الوصف؛ الزيادة الهائلة في زخم المضاربات بالأموال والثروات على مساحات محدودة منها، ترتب على هذين الاختلالين ما نشهده جميعا من ارتفاع خارج سيطرة السياسات الاقتصادية والمالية، وبعيدا جدا عن قدرة دخل أغلب أفراد المجتمع، بل حتى فوق مجموع الدخل والقدرة الائتمانية لأغلب الأفراد!

ولنكون على بينة مما نتحدث عنه، وللتأكد رقميا مما وجه مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية نظرته الصائبة إليه من أسباب حقيقية للأزمة، فإنك ستقف مدهوشا مذهولا مما كشفته البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة العدل! فماذا أفصحت عنه تلك البيانات؟ لقد أوضح التوزيع النسبي لإجمالي قيمة الصفقات العقارية للسوق على مستوى المملكة خلال 2014 البالغ نحو 449.7 مليار ريال حقائق تتجاوز سقف الدهشة والذهول! إذ استحوذت الصفقات العقارية التي تمت على شراء وبيع الأراضي فقط على نحو 421.3 مليار ريال (93.7 في المائة)، فيما لم تتجاوز قيمة الصفقات العقارية على الوحدات السكنية (بيوت، شقق، عمائر، فلل) سقف 21.3 مليار ريال فقط (4.7 في المائة)، وتبقى نحو 7.1 مليار ريال كقيمة صفقات عقارية على مرافق ومراكز ومعارض (1.6 في المائة). هل انتهت الصدمة العقارية المروعة حتى هذه الحدود؟ الإجابة (لا) فما زال لها فصل أكثر صدمة وأخطر مضمونا!

إعلان
في جانب آخر من البيانات الرسمية التي وثقتها أمانات المدن الكبرى في المملكة، أظهرت أن نحو 51.0 في المائة من مساحات التطوير الحضري لتلك المدن ليس إلا أراضي بيضاء داخل نطاقاتها، وبمقارنة مساحات صفقات الأراضي المتداولة خلال 2014 على مستوى المملكة، وبغض النظر عن عامل تكرار شراء وبيع الأرض لأكثر من مرة، أظهرت تلك البيانات العدلية أن مجموعها المتداول طوال العام لم يتجاوز نسبة 10.0 في المائة من إجمالي تلك المساحات للأراضي البيضاء، التي تحتل وسط وعرض وطول المدن الرئيسة! بمعنى أن تلك القيمة الهائلة للصفقات على الأراضي البالغ مجموعها 421.3 مليار ريال، قد تم فقط وفقط على هذه المساحة المحدودة التي لا تتجاوز نسبتها 10.0 في المائة من إجمالي مساحة الأراضي البيضاء داخل المدن! أو بمعنى آخر؛ أن تلك الصفقات الهائلة المبالغ فيها تمت فقط على ما لا يتجاوز نسبته 5.1 في المائة من إجمالي مساحات التطوير الحضري للمدن والمحافظات!

فماذا عن النسبة المتبقية البالغة 90.0 في المائة من إجمالي الأراضي البيضاء داخل المدن؟ إنها الأراضي ذات المساحات الشاسعة التي بقيت خارج دائرة أي صفقات للبيع أو الشراء، أشبه بالحصون المنيعة الخاملة تحت يد الاحتكار، يتمتع ملاكها بارتفاع أثمانها نتيجة كل ما تقدم من تطورات وحقائق، ودون أن يحرك أو يطور أو يبني أحد من ملاكها مترا واحدا فيها! وفي اتجاهات أخرى؛ تسرب غلاء الأسعار وفق هذه التطورات إلى كل معطيات الاقتصاد الوطني، بدءا من أثمان العقارات مرورا بإيجاراتها وانتهاء بارتفاع تكاليف المعيشة والإنتاج والتشغيل، كل هذا جرى أمام شلل شبه تام لأي سياسات اقتصادية أو مالية أو نقدية يمكن لها أن تحد من هذه الدوامة العقارية البالغة الخطورة.

الآن، يمكن الفهم الرشيد والتام والموضوعي للسؤال الكبير: لماذا فرضت الرسوم على الأراضي البيضاء؟ وأن توصية مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية في هذا الشأن، لم تنتج وتتبلور إلا على بينة وبصيرة نافذة بحمد الله تعالى!

حسنا؛ كيف لتلك الرسوم وآلياتها أن تنجح في تحقيق أهدافها النهائية؟ أصبحت الإجابة أكثر سهولة ووضوحا بعد ما تبين لنا جميعا السبب الرئيس والأهم لإقرار وفرض الرسوم على الأراضي البيضاء، بمعنى أن تطبيقها يجب أن يتسم بالتالي: (1) أن يشمل جميع المدن الواقعة في المناطق الإدارية الـ 13 للمملكة، شاملا جميع المحافظات من فئة (أ)، والبالغ عددها 61 محافظة، وتكمن أهمية شموليتها بهذه الصورة ألا يحدث استثناء لأي منطقة أو محافظة، منعا لتسرب السيولة المضاربية لأي من تلك المناطق المستثناة، وما سيترتب عليه من تضخم هائل لأسعار الأراضي والعقارات، كانت في غنى تام عنه. (2) أن يشمل تطبيق الرسوم الأراضي كافة بدءا من مساحات ألف متر مربع، ودون تمييز لموقعها بتوافر الخدمات من عدمه داخل المدن، تحقيقا للهدف الرئيس من فرض الرسوم على الأراضي، الساعي إلى حث الملاك كافة على تطوير وإحياء الأرض ومنعهم من اكتناز ما زاد على الحاجة، ووفقا لهذا السيناريو لن يخشى مالك الأرض الهادف إلى تطويرها والاستفادة منها تحمله لتكلفة الرسوم، كونه سيطورها قبل موعد استحقاق تلك الرسوم. كما سيضمن شمولية هذا التطبيق حسب المساحات، عدم تسرب السيولة المضاربية إلى المناطق أو المساحات من الأراضي غير الخاضعة للرسوم.

الخلاصة؛ يؤمل من كل ما تقدم من خطوات مباركة لمجلس الشؤون الاقتصادية والمالية في هذا الخصوص، أن ينتج عنه انخفاض ملموس بالأسعار المتضخمة للأراضي والعقارات، وزيادة في تمكين المجتمع من تملك مساكنهم بأسعار عادلة ومناسبة. تحسن مستويات المعيشة نتيجة انخفاض تكلفة الإيجارات. تحسن تنافسية منشآت القطاع الخاص محليا وخارجيا. تحسن الأداء الاقتصادي الكلي، وزيادة النمو الحقيقي للاقتصاد الوطني، من خلال تحفيز السيولة المحلية للاستثمار في القطاعات الإنتاجية، وتنويع قاعدة الإنتاج. زيادة فرص العمل، وتحسن مستويات الدخل الحقيقي للأفراد، نتيجة زيادة المشاريع الإنتاجية، ودعم قدرة القطاع الخاص على رفع مساهمته بالاقتصاد الوطني. تحقيق متطلبات التنمية الشاملة والمستدامة. والله ولي التوفيق.

*نقلا عن صحيفة "الاقتصادية" السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.