.
.
.
.

كيف ومتى ستنهار أسعار العقار؟

محمد آل عباس

نشر في: آخر تحديث:

عندما يقرر الجميع دون استثناء بيع مخزونهم من العقار، الكبار قبل الصغار، المؤسسات قبل الأفراد، وليس هناك طلب يقابل كل هذه العروض الضخمة في البيع، عندها ستنهار أسعار العقار إلى حدود غير محدودة. هذه هي الإجابة الأولى الممكنة على هذا السؤال. الإجابة الثانية للأسباب المحتملة لانهيار أسعار العقار، هي عندما يندر وجود الريال في يد الناس، فترتفع قيمة الريال بشكل جنوني حتى تصبح 100 ألف ريال تعادل في قيمتها مليون ريال. هذه هي الأسباب الاقتصادية اللازمة لحدوث انهيار شامل في أسعار العقار. هناك احتمال ثالث، قيام المصارف اضطرارا لبيع ما بحوزتها من رهون عقارية بكميات ضخمة بسبب عجز الناس عن سداد قروضهم أو بسبب حاجة المصارف إلى السيولة ولا توجد مؤسسات كبرى قادرة على شراء هذه الرهون العقارية عند البيع. ما أقرب الاحتمالات للحدوث؟ الاحتمال الأول نادر، والثاني مستحيل والثالث ممكن.

بالنسبة للاحتمال الأول، فمن الصعب أن يقرر جميع الناس بيع عقاراتهم وممتلكاتهم هكذا لمجرد الخوف من تراجع الأسعار أو الخوف من ضريبة سنوية، فسوق العقار ليست كسوق الأسهم، أسعار العقار ليس لها شاشة كأسعار الأسهم، الخروج من العقار ليس بسهولة الخروج من الأسهم والعودة للعقار ليست كالعودة للأسهم. من فقد عقارا فلن يستطيع الحصول عليه مرة أخرى ولن يكون هناك عقار آخر غيره، فأي عقار هو منتج خاص بذاته مهما توافرت مميزات في غيره. ولهذا فإن العقار سيظل حبيبا للنفس الإنسانية. مسألة فرض الرسوم على العقار لن يكون لها تأثير كبير لافت على الأسعار فهي مسألة اقتصادية معتادة في كل دول العالم، ومع ذلك لم تنهار عقارات العالم عندما فرضت الرسوم أو حتى عدلت. بالتأكيد سيكون الناس أكثر حرصا على تقييم العقارات فخزن الثروة في العقار سيصبح له ثمن اليوم. لكن دائما هناك حلول وسيكتشفها المتعاملون في العقار حتما في حينها. ستعمل الرسوم على تخفيف حدة المضاربة العقارية لكنها لن تصل إلى حد تشكيل ظاهرة البيع الكبير للتخلص من العقارات. أضف إلى ذلك أن الخروج من العقار إلى النقد ليس بلا مخاطر، كما أن المنافذ الاستثمارية لا تزال محدودة، فسوق الأسهم ليست مقنعة والذهب كذلك، لهذا فإن العقار سيظل خيارا استثماريا جيدا. ما يحصل اليوم من ركود هو أمر طبيعي كردة فعل استراتيجية في السوق، فالجميع لا يريد البيع قبل معرفة سعر التوازن الجديد في ظل الرسوم، ستـأخذ السوق وقتا حتى تتمكن من تحديد أسعار التوازن.

الاحتمال الثاني، أقرب للمستحيل خاصة في ظل الأوراق النقدية التي يمكن طباعتها، وفي أسوأ الاحتمالات فإن حدوث تضخم في الأسعار هو الأقرب من حدوث ندرة في العملة. فالدولة تبذل جهودها في المحافظة على كمية النقد المتوافرة في الأسواق، ومؤسسة النقد قادرة حتى الآن وبحمد الله على تحديد حجم الاقتصاد وقادرة على توفير الغطاء النقدي اللازم، فلا يحدث تضخم نتيجة توافر كميات من النقد أكبر من احتياجات الاقتصاد، ولا توجد ندرة في الريال، ما يتسبب في انهيار الأسعار أو الهروب من الريال نحو عملات أخرى. فمسألة توافر الريال في الاقتصاد هي مسألة سيادية في المقام الأول، ولا مجال للعبث هنا أو اللامبالاة، لهذا فإن حدوث انهيار في أسعار العقار نظرا لندرة العملة في يد الناس هو أمر أشبه بالمستحيل في الأوضاع السياسية والاقتصادية المستقرة التي تشهدها المملكة.

الاحتمال الثالث، ممكن أن يحدث فعلا، وذلك عندما تفشل المصارف في تحصيل ديونها من مالكي العقارات، وبهذا ستضطر إلى بيع الرهون العقارية لتسديد الديون، وفي ظل عدم وجود أي مؤسسات اقتصادية كبرى قادرة على امتصاص البيع من الرهون فإن العقارات قد تهوي خاصة المباني السكنية. لكن ما السيناريو الأسوأ في هذه الحالة؟ ولماذا يفشل الناس في سداد قروضهم؟ المشكلة الأساسية التي وقعت فيها المصارف أنها لم تكن تهتم ولا تزال غير مهتمة بالسعر الحقيقي للعقار، بل الأسوأ أن عمليات بيع وشراء العقار عن طريق المصارف يتم بما يسمى المصرفية الإسلامية، وللحقيقة فإن المصرفية الإسلامية هذه لم تكن في عهد الرسول - صلىالله عليه وسلم - ولم تظهر في عهد التدوين الضخم الذي مر على الأمة، ولذا لم يتم تنظير الكثير من المصارف والمصرفية في حينه. لهذا فإن المصارف اليوم تستخدم المصرفية الإسلامية لأنها تجذب الناس وتحقق أرباحا غير عادية، وكلما زاد سعر العقار زادت عوائد المصرف، لهذا فإن المصارف تنفخ تحت نار الأسعار حتى تحقق عوائد أكبر، كما حدث في أسعار الأسهم من قبل، وحقبة تقسيط السيارات. فالمصارف غير مهتمة للسعر الحقيقي للعقار وما يتم من تثمين هو تثمين شكلي غير حقيقي فلا أحد يتحمل مسؤولية الخطأ في التثمين أو حتى التواطؤ فيه، والمواطن المتلهف للسكن سيدفع مهما بلغ السعر والعهدة على القسط والرواتب. فالمصارف تعاني اللامبالاة في تثمين العقارات وهذا يعود لأن الرهن الحقيقي الذي تأخذه المصارف في مقابل القروض ليس العقار، بل هو "الراتب". وهذه عين المشكلة التي وقع فيها الاقتصاد السعودي. عندما ورطتنا المصارف في مسألة رهن الراتب، التي يجب على مؤسسة النقد إيقافها تماما. فلا رهن للمصرف سوى العقار. ويجب تحرير الرواتب من استخدامها كرهون للمصارف.

فاحتمال انهيار العقار مرتبط بمشكلة استخدام الراتب كرهن، فالرهون العقارية مرتكزة على بقاء مستويات الراتب عند هذه الحدود التي وضعتها الحكومة. وبهذا فإن أي احتمال لتراجع الرواتب يعني ببساطة فشل الناس في تسديد قروضهم، خاصة إذا بلغت الأقساط 60 من الراتب. وهذا بدوره سيؤدي إلى أمرين، إما تطاول المصارف على أموال الناس من حيث استقطاع القسط قبل نزول الراتب - كما يحدث الآن - فلن يبقى للناس ما يسد رمقهم وسيؤدي هذا إلى مشكلة أخرى في أنحاء متفرقة من الاقتصاد ومنها الاتصالات والخدمات الطبية والأسواق. أو أن يتوقف الناس عن السداد، وهنا قد يحدث نقص حاد في سيولة المصارف وستضطر حينها إلى بيع الرهون العقارية، فإذا لم يتوافر مشتر قادر على أسعار السوق فسوف تنهار الأسعار حتما.

* نقلا عن الاقتصادية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.