.
.
.
.

تعطيل حلول الإسكان

إبراهيم الصحن

نشر في: آخر تحديث:

عاد عبدالله بشهادة الماجستير من الولايات المتحدة ثم قرر الزواج والاستقرار في الرياض بعد أن توظف في إحدى كبرى الشركات الوطنية براتب جيد، رجع عبدالله بشهادة توقع أنها ستفتح له آفاق المعيشة الكريمة، وكان يرى أن هذه الورقة التي تشهد له بأنه صاحب شهادة عليا في تخصص مطلوب ستحقق كل أحلامه وستوفر له الدخل المناسب أو على الأقل ستحقق له الضروريات من مسكن مناسب مثلا، استأجر عبدالله شقة بجانب الحي الذي يقطنه والداه وكان حريصا على زيارتهما ورعايتهما يوميا برا بهما. بدأت فكرة شراء المسكن تدور في خلده وبدأ فعلا بخطوات عملية كان أولها الادخار لتوفير مبلغ مناسب يصل على الأقل إلى 30 في المائة من قيمة المسكن ويمكن أن يحصل على الباقي من خلال برامج التمويل، بدأت رحلة الادخار وربط الأحزمة ومحاولة جدولة المصروفات، كان متوسط سعر المنزل الذي يرغب فيه ويتناسب مع إمكاناته المالية وحجم أسرته لا يتجاوز 700 ألف في عام 2012 وما يميز الحي الذي يرغبه بأنه قريب من منزل والديه لحرصه الشديد على استمرار الصلة اليومية بهما، لاحظ عبدالله أنه كلما ادخر جزءا من المبلغ المطلوب وجد أنه يتضاءل مقابل الارتفاعات المهولة في الأسعار، فالفيلا التي كانت قبل سنتين بـ 700 ألف باتت بـ 1.2 مليون.

أصابت عبد الله الخيبة من وضع السوق وارتفاعاته وفقد الأمل بالحصول على منزل من خلال الادخار والتمويل بسبب الارتفاعات المهولة بالأسعار التي تبتلع أي عملية ادخار يعمل عليها، لذا بدأت الأفكار الإبداعية تخرج فالحاجة أم الاختراع كما يقال، حيث وجد أن هناك مساحة مهدرة في حوش منزل والده التي من الممكن أن تأمن له وحدة سكنية مناسبة حتى يستطيع على الأقل توفير قيمة الإيجار وادخارها مع ما كان يدخره مسبقا ليستطيع اللحاق بهذه الارتفاعات المتتالية التي وصلت إلى 35 في المائة سنويا بينما ارتفاع راتبه لا يتجاوز 5 في المائة إلى 10 في المائة سنويا في أحسن الأحوال. أنجز عبدالله التصاميم الأولية وتأكد من أن ما يرغب في بنائه لا يخالف الأنظمة المتعلقة ببناء الوحدات السكنية، وفور انتهاء عبدالله من بناء مسكنه بادر بإجراءات الحصول على رخصة وحدة سكنية مستقلة لكي يستطيع أن يحصل على عداد كهرباء مستقل، لكن الموظف المختص أبلغه أن أقرب موزع للكهرباء سيكلفه قرابة 70 ألفا لإيصال الكهرباء لوحدته السكنية، ولم يكن هذا المبلغ الكبير في الحسبان أبدا، والحقيقة أن الموظف لم يكن مصيبا في هذا الأمر وهذا ما اكتشفه والد عبدالله الذي لديه معرفة سابقة بتوزيع شبكة الكهرباء في الحي الذي يقطنه ليظهر أن إيصال خدمة الكهرباء للوحدة السكنية الجديدة لن تكلف أكثر من أربعة آلاف ريال، ثم بدأت المعاناة التالية عندما طلب الموظف أن يقوم عبدالله بتركيب أي حاجز مؤقت بين وحدته السكنية ومنزل والده لكي يستطيعوا اعتبارها وحدة سكنية مستقلة، لم يكن أمرا منطقيا أن يتكلف عبدالله خمسة آلاف ريال ليضع حاجزا وهميا ثم يزيله بعد ساعات من أجل إجراء بيروقراطي غير منطقي بالنسبة له، فبدأ مشوار المراجعات والاعتراض على هذا الإجراء غير المنطقي، حتى أخذ معه موضوع إيصال الكهرباء لوحدته السكنية قرابة العامين، التي اضطر خلالها إلى دفع إيجار شقة مع أن هناك وحدة سكنية يملكها ويستطيع أن يسكنها لكنه ينتظر انتهاء الإجراءات البيروقراطية غير المنطقية ليستطيع استخدام ما يملك.

نموذج عبدالله هو مثال واحد وقصة واحدة من آلاف القصص التي توضح معاناة الشباب مع السكن، وتعطيل بعض الجهات الحكومية للحلول التي يحاول المواطنون ابتكارها، ومع أن عبدالله حاول إيجاد حل لمعاناته بطريقته الخاصة إلا أن محاولة تطبيق الأنظمة حرفيا دون النظر إلى روح النظام والحكمة منه يوضح أن هناك إجراءات ومفاهيم لا بد أن تتغير وتحدث من قبل الجهات المعنية، كما يجب في هذه المرحلة الانتقالية المهمة أن تتم محاربة الجهل والتكاسل والفساد الذي يضرب أطنابه في بعض المؤسسات ويعطل المواطنين ويضع تكاليف غير منطقية عليهم بسبب موظف متكاسل لا يرغب بالبحث عن المعلومة الصحيحة، حيث كاد عبدالله أن يتكبد قرابة 70 ألف ريال لإيصال شبكة الكهرباء وفي الحقيقة لا تحتاج تكلفة إيصالها إلى أكثر من أربعة آلاف ريال، كما هذا النموذج يوضح أن لدينا تقصير في استغلال الموارد الحالية، فالمنازل القديمة التي تتجاوز مساحاتها 600 متر مربع من الممكن أن تأوي عدة عائلات مثل الوالدين وعائلات أولادهم في حال وجود برامج تمويلية من وزارة الإسكان وأنظمة بناء مرنة من وزارة الشؤون البلدية والقروية يمكن من خلالها تحويل الفيلا السكنية ذات المساحة الكبيرة إلى شقق سكنية ذات مساحات مناسبة وذلك سيؤدي إلى خروج عديد من العائلات السعودية من قوائم الانتظار للحصول على دعم السكن، وهم في قمة السعادة والراحة لتحقق هدف اجتماعي مهم يتمثل في بقاء العائلة متجاورة ومتقاربة، وكذلك هدف استراتيجي على مستوى الدولة وهو رفع نسبة تملك المساكن للمواطنين.

* نقلا عن الاقتصادية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.