.
.
.
.
الانتخابات الأميركية

حين سرق بايدن شعار ترمب "أميركا أولا".. والسبب "كورونا"

نشر في: آخر تحديث:

في كل مرة يفتح فيها السجال الرئاسي في الولايات المتحدة، نشهد عرضاً إعلامياً صاخباً من الصعب تجاهله، لكن وراء عرض هذا العام يحضر فيروس كورونا واضعاً انتخابات أميركا، ضمن نطاق واحدة من أعظم أوقات عدم اليقين الاقتصادي في التاريخ.

قلب تأثير الوباء كل شيء رأساً على عقب، ووفقاً لصندوق النقد الدولي سينكمش الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنسبة 4.4% هذا العام، ليعتمد تطور الوضع على مدى قدرة الدول في السيطرة على الفيروس وتبني السياسات الاقتصادية اللازمة للخروج من هذا المأزق العالمي.

ولطالما كان اختيار مرشح أميركي دون آخر في غاية الأهمية لأن الولايات المتحدة لا تزال، في الوقت الحالي، القوة الرائدة عالمياً، وبالتالي ما يحدث هناك تحل تداعياته في جميع أنحاء العالم، والحرب التجارية خير مثال على ذلك مع تأثيرها الواسع في قطاعات تصديرية عدة إلى الولايات المتحدة.

غير أن "عام كورونا" أفرز هذه المرة وعكس المعتاد نموذجين اقتصاديين متشابهين للغاية، مما ألغى سمة التناقض الصارخ وجعل الأسواق العالمية ربما أقل ريبة، فلا يبدو أن الديمقراطيين يستطيعون المناورة على نطاق واسع هذه المرة، وعلى العصر الذهبي للاتفاقيات التجارية الذي شهده عهد أوباما حين كان بايدن نائب الرئيس، أن ينتظر أربع سنوات أخرى.

وعلى الأقل من وجهة نظر الاقتصاد العالمي لا يبدي كل من دونالد ترمب وجو بايدن وجوه اختلاف كثيرة، ما عدا المقاربة المتناقضة لمعادلة النفط والمناخ والتي ستؤثر دون شك على ردة فعل أسواق الطاقة.

"القومية الاقتصادية".. عنوان المرحلة

على الرغم من السعي المتواصل لإظهار كلا المرشحين كوجهي نقيض، انطلاقاً من مبدأ التعارض الذي يفرضه وجود تيارين مختلفين، طرف يساري وآخر محافظ، إلا أن الحالة الاقتصادية التي أفرزها وباء كورونا رجحت كفة أربعة محاور وحدت المنافسين في هذه الفترة المحورية: "القومية الاقتصادية"، والدفاع عن الشركات الأميركية في الخارج، وخلق فرص العمل، ودعم الطبقات العاملة والشركات الصغيرة والمتوسطة.

وهي إن كانت تبدو ذاتها تلك الخطوط العريضة لولاية ترمب الأولى ولحملته صوب الولاية الثانية المنشودة إلا أنها أيضاً أبرز أعمدة برنامج مرشح الحزب الديمقراطي للبيت الأبيض. ربما سوف يسعى الأخير لتنفيذها بقدر أقل من العدوانية التي لازمت أسلوب منافسه ترمب وبدون ضجيج إعلامي، لكن من الواضح أن بايدن لن يكون أقل حمائية بكثير.

"أميركا أولاً" بلهجة ديمقراطية

في الواقع، ورغم حقيقة أن بايدن قد أعلن موقفه المعارض للحروب التجارية التي أشعلها ترمب، تُظهر الخطابات الأخيرة أن عبارات بايدن "made in America" و "buy American" ليست بعيدة عن شعار ترمب "America first". وفي حملتيهما اختار الاثنان تعزيز التجارة الداخلية وإنتاج السلع داخل الولايات المتحدة وتقليل الاعتماد إلى الحد الأدنى على الأسواق الدولية مثل الصين وأوروبا.

وأدى تأثير فيروس كورونا، إلى جانب استراتيجية انتخابية محسوبة لاستعادة أصوات الوسط (الذي دعم فوز ترمب في 2016)، إلى عزل بايدن لا إرادياً عن الفترة التي كان فيها نائباً للرئيس أوباما، وهي فترة اتسمت بعلاقات تجارية متينة مع الاتحاد الأوروبي وهدوء معقول مع الصين.

مع الصين.. لا صلح في الأفق

ومن المثير للدهشة أن بايدن الذي لطالما عارض المعارك التجارية مع الخصم الصيني على مدار العامين الماضيين، أمعن في إلقاء اللوم على ترمب لاعتماد إدارته المفرط على الصين في الحصول على المنتجات الطبية الأساسية أثناء موجة تفشي الوباء الأولى في ظل الشح الكبير الذي واجهته السوق الأميركية.

من ناحية أخرى، يقترح المرشح الديمقراطي استثمار 300 مليار دولار في التكنولوجيا وتعزيز نشر تقنيات الجيل الخامس والسيارات الكهربائية. كما يقترح توظيف 400 مليار أخرى لشراء المنتجات المصنوعة في الولايات المتحدة، وهو ما يدعم حضور "القومية الاقتصادية" في خطاب الرجل.

وإذا ما عدنا إلى الوراء قليلا نجد أن "الجيل الخامس" والتكنولوجيا كانا محوري عمل ترمب في حربه التجارية مع الصين من قصة شركتي "هواوي" و"ZTE" إلى سجال براءات الاختراع وممارسة الضغوط على شركات التكنولوجيا الأميركية لغلق مصانعها في الخارج والعودة.

إن كان من المستبعد أن يبدي بايدن عدوانية في مطالبته لحكومات العالم صراحة بالعزوف عن تقنية 5G من "هواوي" الصينية المتهمة أميركياً بالتجسس لصالح حكومتها، فمن المرجح ألا يختلف دعمه للشركات الأميركية خارج حدودها عن نهج منافسه ترمب.

إعادة بناء البلاد من "الكارثة"

من جانبه، يهدف ترمب للعودة إلى طريق خلق الوظائف الذي سلكته إدارته، فالاقتصاد الأميركي وفر حوالي 6.6 مليون وظيفة خلال السنوات الثلاث الأولى من رئاسته، لكن حالياً وبفعل الوباء اختفت 3.8 مليون وظيفة من السوق الأميركية.

قبل مأزق كورونا كانت بيانات الاقتصاد الكلي الضخمة داعمة لترمب حيث نما الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 2.9% في 2018 و2.2% في 2019، وبالمثل، بلغ معدل البطالة 3.5% طوال فترة رئاسته مع نسبة توظيف كامل عملياً. غير أن الفيروس أتى على تلك المنجزات فانخفض الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة وأغلقت البطالة شهر سبتمبر عند 7.9%.

على أي حال، فإن الترسانة الاقتصادية الكاملة للمرشحين تركز تماماً على محاولة إعادة بناء البلاد من الكارثة المالية والاجتماعية التي سببها فيروس كورونا، حيث يواجه شعار "Building back better" (إعادة البناء بشكل أفضل) الذي أطلقه بايدن، مقولة "Together, we are rebuilding our nation" (معًا، نحن نعيد بناء أمتنا) لترمب، وفي هذه وتلك لا اختلاف يذكر عن "Make America great again" (لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى) تلك التي هزم بها الجمهوري هيلاري كلينتون قبل أربع سنوات.

انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة