.
.
.
.
اقتصاد أميركا

"الحلم الأميركي".. أرقام صادمة عن أغنى دولة في العالم

أحد التناقضات الكبرى لهذه القوة الاقتصادية

نشر في: آخر تحديث:

إنها أغنى دولة في العالم، اقتصادها الذي يمثل ما يقرب من ربع الإنتاج العالمي للسلع والخدمات يولد دخلاً مهولاً قدره 21.4 تريليون دولار سنوياً، حتى إن الصين لم تمكنها السرعة القصوى التي نما بها اقتصادها خلال العقود الماضية من اقتناص تلك المكانة.

في التصنيف الخاص بنصيب الفرد من الثروة، تحتفظ الولايات المتحدة بالمركز الأول ضمن مجموعة الدول الصناعية السبع، وهو النادي المكون من سبعة من أقوى الاقتصادات في العالم، تشارك فيه أيضاً ألمانيا وكندا وفرنسا والمملكة المتحدة وإيطاليا واليابان.

وضمن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، التي تتكون من 37 دولة، تحتل الولايات المتحدة المرتبة الخامسة في قائمة الدول التي تمتلك أعلى ثروة لكل فرد، ولا تتفوق عليها في ذلك سوى لوكسمبورغ وإيرلندا وسويسرا والنرويج.

لكن هذه الثروة الهائلة لا تُترجم دائماً إلى نوعية حياة أفضل لسكانها، وهذا بالتحديد أحد التناقضات الكبرى لهذه القوة الاقتصادية. فرغم كونها الدولة التي تضم أكبر عدد من المليارديرات في العالم، إلا أنها تعاني من مستوى فقر يطال 10.5% من السكان، وفقاً لأحدث بيانات رسمية صادرة عن مكتب الإحصاء الأميركي.

وبينما نمت مداخيل الأفراد في العقود الأربعة الماضية، اتسعت كذلك الفجوة بين الأغنى والأفقر. يشير تقرير التنمية البشرية الأخير الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن "التفاوت في الدخل زاد في الولايات المتحدة أكثر من أي دولة متقدمة أخرى منذ 1980".



اتساع الفجوة

بعد تشيلي والمكسيك وتركيا، تعد الولايات المتحدة رابع دولة ضمن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ذات أعلى مستوى من عدم المساواة في الدخل، وفقاً للبيانات التي نشرتها المنظمة. كما تظهر البيانات الرسمية الصادرة عن مكتب الإحصاء الأميركي أن عدم المساواة في الدخل وصل إلى أعلى مستوى له منذ أكثر من 50 عاماً في عام 2018.

وفي تقرير أعدته "بي بي سي موندو" قال بريل برايان، أستاذ علم الاجتماع في جامعة Rice بتكساس، إن "عدم المساواة ساء بشكل تدريجي".

وهذا ما يفسره، بحسب الأكاديمي، ارتفاع دخل من هم في قمة الهرم بفضل سياسات مثل التخفيضات الضريبية للأثرياء وركود الحد الأدنى للأجور على المستوى الفيدرالي.

ويجادل مارك لوبيز، الباحث في مركز Pew للأبحاث، بأن الزيادة في عدم المساواة ترجع أيضاً إلى عوامل هيكلية طويلة الأمد مثل العولمة وتراجع النقابات والتعليم والتغيرات التي فرضتها التكنولوجيا.

هناك زاوية أخرى للنقاش تتعلق بعدم المساواة في الثروة (والتي تختلف عن عدم المساواة في الدخل لأنها تشمل جميع الأصول التي يمتلكها الشخص). وبهذا المعنى، تُظهر البيانات الصادرة عن مجلس الاحتياطي الفيدرالي أن ثروة أغنى 50 شخصاً في أميركا تعادل ما يملكه 165 مليوناً من الفئات الأكثر فقراً.



"فقر الدخل النسبي"

الولايات المتحدة دولة ذات موارد اقتصادية عديدة، لكن من المفارقات أنها تحتل المرتبة الأولى في مؤشر فقر الدخل النسبي الذي تستخدمه منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

هذا المقياس يعتبر الأشخاص الذين يعيشون على أقل من نصف متوسط دخلهم فقراء. ووفقاً لهذا التعريف، ارتفع فقر الدخل النسبي في الولايات المتحدة إلى 17.8%، بينما بلغ متوسط منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية 11.7%.

الوجه الآخر للعملة هو أنه باستخدام المنهجية التي يستند إليها مكتب الإحصاء الأميركي، بلغ معدل الفقر في البلاد 10.5% في عام 2019، وهو أدنى مستوى في العقود الأخيرة. سجل إيجابي بالتأكيد، لكنه لا يغير حقيقة أن الثروة لا تزال مركزة للغاية في يد القلة.



"يعيشون أقل من غيرهم"

وتقع الولايات المتحدة بين إستونيا وجمهورية التشيك من حيث متوسط العمر المتوقع في مؤشر المواليد، وتحتل المرتبة 28 بمتوسط 78.7 سنة.

ويعد متوسط العمر المتوقع أحد أكثر المؤشرات استخداماً على المستوى الدولي لتقييم الظروف الصحية لبلد ما، لكنه يعكس أيضاً حالة اقتصاده.

يرى أندرو سكوت، أستاذ الاقتصاد في كلية الاقتصاد بجامعة لندن والمؤسس المشارك لمنتدى Longevity، أن "أفضل مقياس لنجاح بلد ما ليس الناتج المحلي الإجمالي بل متوسط العمر المتوقع"، بحسب ما نقلت عنه "بي بي سي موندو".

ويشير إلى أنه "من المهم تقليص فجوة العمر المتوقع بين الأغنياء والفقراء"، والتي تبلغ في الولايات المتحدة حوالي 15 عاماً.

نيوجيرسي
نيوجيرسي

من ناحية أخرى، يلفت ستيفن وولف، المدير الفخري لمركز المجتمع والصحة في جامعة Virginia Commonwealth، في حوار مع "بي بي سي موندو"، إلى "ازدياد عدد الوفيات بشكل رئيسي في المناطق التي فقد فيها الناس وظائفهم"، مؤكداً أن "الفقر هو العامل الأهم في كون الأميركيين يعيشون عمراً أقل من غيرهم في البلدان المتقدمة الأخرى".


أعلى معدل وفيات للرضّع!

تحتل أغنى دولة في العالم المرتبة الخامسة بين الدول التي لديها أعلى معدل وفيات بين الأطفال في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. هذا المؤشر يستند إلى عدد وفيات الأطفال الذين تقل أعمارهم عن سنة واحدة لكل 1000 طفل مولود على قيد الحياة.

وعلى الرغم من أن هذا المعدل انخفض في الولايات المتحدة على مدار الـ 25 عاماً الماضية، إلا أنه في الولايات التي يكون فيها المستوى الاجتماعي والاقتصادي متدنياً وتعاني فيها الأمهات من ظروف صحية أسوأ، تظل المشكلة قائمة.



نتائج تعليمية ضعيفة!

في أحد أكثر المؤشرات استخداماً على المستوى الدولي لمقارنة الأداء المدرسي بين البلدان، اختبار PISA للرياضيات، أداء الولايات المتحدة ليس جيدًا، وهي تحتل المرتبة السابعة بين أسوأ البلدان أداء.

ناثان دريسكيل، المدير المساعد لتحليل السياسات والتنمية في المركز الوطني للتعليم والاقتصاد (NCEE)، أخبر "بي بي سي موندو" بأن أداء الطلاب في الولايات المتحدة يشير في بعض الحالات إلى تخلفهم عامين وحتى ثلاثة أعوام عن أقرانهم، يضيف: "العديد من البلدان التي تستثمر أقل في التعليم مما تفعل الولايات المتحدة.. تتفوق علينا".

الدولار الأميركي
الدولار الأميركي

السبب في ذلك، كما يشير دريسكيل، يعود إلى كون الدولة "ليس لديها نظام تعليمي فعّال، بحيث تعمل الأجزاء المختلفة بطريقة منسقة". المشكلة هي أن "البرامج عالية الفعالية تصل إلى عدد قليل جداً من الطلاب".

باختصار، يضيف الخبير: "هناك مدارس متميزة في أميركا.. لكنها لا تمثل الغالبية العظمى من البلاد".



"الحلم الأميركي"

على الرغم من تغول ظاهرة عدم المساواة في العقود الأخيرة التي أفرزت توترات عرقية لا تزال قائمة واحتجاجات على التكلفة العالية للصحة والتعليم، إلا أن أقوى اقتصاد في العالم تميز طوال تاريخه بتقديم فرص العمل. وقد ظلت مستويات البطالة منخفضة في الولايات المتحدة، حيث سجلت 3.7% فقط في العام 2019، وهو مؤشر يجعلها في وضع ممتاز مقارنة بالدول الأخرى.

وبعيداً عن حقيقة أن مستويات حماية العمال في أميركا هي أقل من تلك التي توفرها العديد من دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، نجد أن فكرة الحصول على وظيفة أو بدء عمل تجاري مزدهر - وهي أساس "الحلم الأميركي" - لا تزال عامل جذب مستمر للآلاف من الأشخاص الذين لم يتمكنوا من إيجاد نفس الفرص في أجزاء أخرى من العالم. ومع ذلك، يظل تركيز الثروة هو أكبر مفارقات أغنى دولة في العالم.