.
.
.
.
اقتصاد

مصطلح مسيء استخدمناه لعقود.. لماذا يطلق علينا الغرب "العالم الثالث"؟

تعود فكرة تقسيم العالم لثلاثة مجالات إلى خمسينيات القرن الماضي عندما كانت الحرب الباردة في بدايتها

نشر في: آخر تحديث:

عندما اقتحمت مجموعة مسلحة مبنى الكابيتول الأميركي الأسبوع الماضي، قال العديد من الأميركيين وغيرهم إن هذا ذكرهم بما يحدث عادة في دول "العالم الثالث". صدر ذلك عن مثقفين وصحافيين ونقاد كما فعل الناس على وسائل التواصل الاجتماعي.

يعلم الجميع ما يقصدونه: البلدان الفقيرة، حيث أنظمة الرعاية الصحية ضعيفة. لكن مصطلح "العالم الثالث" ورغم استخدامه الواسع يخلق مشكلة!

تقول نجوزي إيروندو، الباحثة في معهد أونيل في جامعة جورج تاون، والتي تعرف نفسها بأنها أميركية نيجيرية: "أشعر أن هذا يشير إلى التفوق والدونية".

تضيف: "هذا افتراض حول أشخاص خارج العالم الأول أي أنهم يعيشون حياة مختلفة، وبافتراض أنهم فقراء، يجب أن يكونوا سعداء لمجرد تناول الطعام كل يوم، وكأنهم لا يمتلكون نفس القيمة مثل البشر".

وختمت قائلة: "أعتقد أنه مصطلح قديم ومهين للغاية".

من جانبه، يعتبر د. أبرار كران من كلية الطب بجامعة هارفارد، أنه "لا يوجد عالم ثالث"، ويقول وهو المولود في الهند ونشأ في لوس أنجلوس: "كان هناك مضطهِدون ومضطهَدون".

يضيف أن المضطهِدين غالباً ما أخذوا الموارد من البلدان التي احتلوها، وهو سبب رفضه لمصطلح "الموارد المنخفضة" الذي يستخدم لوصف البلدان التي تفتقر إلى ثروة الدول الغربية.

ومع ذلك، كما أوضحت أحداث الكابيتول، فإن "العالم الثالث" غالباً ما يكون المصطلح الأول الذي يخطر ببال الغربيين عندما يحاولون وصف البلدان الأقل ثراءً خاصة المضطربة منها.

فمن أين أتى هذا المصطلح؟

تعود فكرة تقسيم العالم لثلاثة مجالات إلى خمسينيات القرن الماضي عندما كانت الحرب الباردة في بدايتها، والرأسمالية الغربية مقابل الاشتراكية السوفييتية. لكن بين هذه وتلك كانت هناك مجموعة أخرى من البلدان والعديد من المستعمرات السابقة لم يكن أي منها في المعسكر الغربي أو السوفييتي.

بالتفكير في هذه الفصائل الثلاثة، كتب الديموغرافي الفرنسي ألفريد سوفي عن "ثلاثة عوالم ، كوكب واحد" في مقال نُشر في صحيفة L'Observateur الفرنسية في عام 1952.

تألف "العالم الأول" من الولايات المتحدة وأوروبا الغربية وحلفائهم، فيما كان "العالم الثاني" الكتلة الشيوعية المزعومة: الاتحاد السوفييتي والصين وكوبا والأصدقاء. أما الدول المتبقية، التي لا تتوافق مع أي من المجموعتين، فتم تصنيفها ضمن "العالم الثالث".

ولطالما كان لدى تصنيف "العالم الثالث" خطوط غير واضحة، "فعلى الرغم من استخدام العبارة على نطاق واسع، إلا أنه لم يكن جلياً أبدًا ما إذا كانت فئة واضحة للتحليل، أم أنها مجرد تسمية مناسبة وغامضة إلى حد ما لمجموعة غير دقيقة من الدول في النصف الثاني من القرن العشرين، وبعض المشكلات الشائعة التي واجهتها"، بحسب ما كتبه المؤرخ ب. آر. توملينسون في مقال بعنوان "What Was the Third World" نُشر عام 2003 في مجلة التاريخ المعاصر.

ونظرًا لأن العديد من بلدان العالم الثالث كانت فقيرة، فقد استخدم المصطلح للإشارة إلى البلدان التي ينتشر فيها الفقر، وحيث الرعاية الصحية غير كافية، إلى جانب غياب الديمقراطية.

لكن في القرن الحادي والعشرين، يود الكثيرون أن يلقى بهذا المصطلح في سلة مهملات التاريخ، ويعتقدون أن هذا التصنيف أصبح الآن قديماً ومهيناً ومربكاً. فمن يمكنه القول أين يوجد جزء العالم "الأول"؟ بالإضافة إلى ذلك، لم يعد الاتحاد السوفييتي موجوداً.

كما أن تسمية "العالم الأول" لا تعني أنه أفضل من كل النواحي. كما يقول بول فارمر، المؤسس المشارك لمنظمة "شركاء في الصحة" غير الربحية والأستاذ في كلية الطب بجامعة هارفارد، موضحاً أن به جيوباً من الفقر المدقع في المناطق الحضرية والريفية.

ويضيف: "هذا هو العالم الرابع"، في إشارة إلى أجزاء من الولايات المتحدة ودول غنية أخرى حيث تلوح في الأفق مشاكل صحية واقتصادية كبيرة، بحسب ما نقله موقع NPR، واطلع عليه "العربية نت".

ما هي البدائل الموجودة؟

يبدو أن عبارة "البلدان النامية" قد تكون خياراً أفضل من العالم الثالث، فغالبًا ما تحتاج البلدان في هذه الفئة إلى تطوير أنظمة الرعاية الصحية، والمدارس، والطرق وتوصيل المياه والكهرباء للسكان.

يقول فايبهاف بوجه، مدير الائتمان في بنك البنجاب الوطني: "أن يطلق عليّ لقب دولة نامية يمنحني فرصة للتحسن". وهو يأمل في أن تمضي الهند ذات يوم "بضع خطوات أبعد مما حققته الدول المتقدمة".

إنها تسمية ملائمة للاستخدام، حيث يعلم الجميع ما الذي تتحدث عنه.. هذا ما تقترحه "أسوشيتد برس" في دليل أسلوبها: "الدول النامية أكثر ملاءمة (من العالم الثالث) عند الإشارة إلى الدول النامية اقتصادياً في إفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية. لا تخلط بينها وبين كلمة "عدم الانحياز"، فهي مصطلح سياسي".

لذلك بدا أن مصطلح "العالم النامي" كان حلاً جيدًا، لكن هناك أيضاً الكثير من الأشخاص الذين يرفضونه.

"أنا لا أحب مصطلح العالم النامي لأنه يفترض وجود تسلسل هرمي بين البلدان"، بحسب ما قالته شوز كيسي، المتخصصة في علم النفس الاجتماعي بجامعة كيب تاون في جنوب إفريقيا.

وتضيف: "إنه يرسم صورة للمجتمعات الغربية على أنها مثالية رغم وجود العديد من المشاكل الاجتماعية في هذه المجتمعات أيضًا. كما أنه يكرس الصور النمطية عن الأشخاص الذين يأتون من ما يسمى بـ" العالم النامي "على أنهم متخلفون، كسالى، جاهلون، وغير مسؤولين"، بحسب ما نشره موقع NPR.

تتابع كيسي قائلة: "من وجهة نظري، تحل العلاقة المتطورة-النامية محل العلاقة بين المستعمِر والمستعمَر في نواحٍ عديدة. إن فكرة التنمية هي وسيلة للدول الغنية للسيطرة على الفقراء واستغلالهم. يمكنك أن ترى ذلك من خلال صناعة التنمية حيث تم إنفاق مليارات الدولارات ولكن تم تحقيق القليل جدًا. لنفكر في الأمر، في الواقع، أنا أكره المصطلح!".

"عندما تفكر في الأمر، تجد أن 'البلدان النامية' متطورة تماماً في بعض النواحي"، كما يقول ميد أوفر، الزميل الفخري في مركز التنمية العالمية.

والذي أضاف أنه "في البلدان التي لا توجد فيها شبكات أمان حكومية عملياً، يتقدم الناس للمساعدة.. يتبرع الناس بالمال في جنازة لمساعدة الأسرة المكلومة، أو يتلقى الناس هدايا من أحد الجيران لدفع أجر الطبيب في أوقات الطوارئ العائلية.. إننا في الغرب غالباً ما نهمل الشبكات الاجتماعية".

فوارق جدية

ولقد كشفت جائحة كورونا عن هذه الفوارق بحدة.

للتصنيف الجغرافي علته أيضاً، فغالبية الدول الفقيرة تقع في نصف الكرة الجنوبي، المعروف أيضاً باسم "الجنوب". لكن على سبيل المثال، هاييتي الفقيرة تقع في "شمال العالم"، كما تقع العديد من الدول الغنية في الجنوب كأستراليا، ونيوزيلندا، والأرجنتين، على سبيل المثال لا الحصر.

ربما يكون الحل هو التوصل إلى تصنيف يعتمد على البيانات، وهذه هي الطريقة التي تصنف بها منظمة الصحة العالمية البلدان، حيث يستخدم مصطلح "البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل" أو LMIC للاختصار.

وتعتمد فئة البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط على إحصائيات البنك الدولي التي تقسم البلدان حسب الناتج المحلي الإجمالي: هناك دخل منخفض، ودخل متوسط منخفض، ودخل متوسط، ودخل مرتفع.

للوهلة الأولى، يبدو أن الأرقام تقدم طريقة موضوعية لتقسيم العالم، لكن الإحصائيات لا تروي القصة الكاملة، فهناك أشخاص أثرياء للغاية في البلدان الفقيرة، "على سبيل المثال، يوجد في كينيا أحياء فقيرة وأحياء تنافس فيها أسعار العقارات أي دولة. إنه جزء من اتجاه متزايد لعدم المساواة في الدخل حول العالم"، بحسب "أوفر".

لذا فإن مستويات الدخل تخبرك بشيء.. ولكن ليس كل شيء، حيث يرغب الزميل الفخري في مركز التنمية العالمية في رؤية التصنيفات القائمة على مزيج من الدخل والمساواة.

يستخدم بعض الناس مصطلح "عالم الأغلبية"، لتذكير الغربيين بأنهم أقلية صغيرة جدًا في العالم. ووفقًا لإحصائيات البنك الدولي، يعيش نصف البشر على 2.5 دولار أو أقل في اليوم.

الحقيقة هي أن التسميات الشاملة لن تكون مثالية أبداً، لذا "كن محددًا"، كما تنصح إلسا دسيلفا من مومباي بالهند، وهي المؤسس والرئيس التنفيذي لمؤسسة Red Dot التي تهدف إلى وقف العنف الجندري. وتقول: "إذا كنت تكتب عن أمة ليس لديها نظام رعاية صحية قوي، فقط قل ذلك".

لدى دسيلفا اقتراح آخر: "سمعت ذات مرة الراحل هانز روسلينج، أستاذ الصحة العالمية في معهد كارولينسكا السويدي، يتحدث عن البلدان التي لم تندرج بعد في فئة الدخل المرتفع، يقول "إنهم بقية العالم".. لماذا لا تناديهم بأسمائهم فقط؟".