.
.
.
.

مفارقة عجيبة.. الحالة المزاجية الجيدة تؤدي إلى قرارات سيئة!

كتاب يلخص مدى ارتباط الحالة المزاجية للشخص بحسن تقدير قراراته

نشر في: آخر تحديث:

من المقرر أن يصدر ثلاثة من علماء علم النفس كتابا جديدا الأسبوع المقبل يحمل اسم "الضجيج: عيب في الحكم البشري Noise: A Flaw in Human Judgment"، حيث يلخص مدى ارتباط الحالة المزاجية للشخص بحسن تقدير قراراته.

شارك دانيل كانيمان أستاذ علم النفس بجامعة برينستون والحائز جائزة نوبل في الاقتصاد لعام 2002، كلاً من أوليفير سيبوني كاتب ومستشار في عمليات صنع القرار ويُدرّس في HEC Paris، وكاس سنشتين الأستاذ في جامعة هارفارد، حيث اقتبست وول ستريت جورنال، هذا المقال من الكتاب المزمع طرحه.

كتب المؤلفون: "لقد لاحظنا جميعاً أن أحكامنا يمكن أن تعتمد على ما نشعر به، ونحن بالتأكيد ندرك أن أحكام الآخرين تختلف باختلاف مزاجهم أيضاً. قد يفرض القاضي حكماً قاسياً على المتهم الجنائي جزئياً لأن الطقس بائس في الخارج. وقد يقرر الطبيب إرسال مريضة إلى المنزل بدلاً من طلب مجموعة من الاختبارات، ويرجع ذلك جزئياً إلى أن الوقت متأخر بعد الظهر وهي متعبة قليلاً. وقد تقرر مديرة تنفيذية في الشركة المضي قدماً في مشروع محفوف بالمخاطر، ويرجع ذلك جزئياً إلى أنها قضت عطلة نهاية أسبوع رائعة مع عائلتها".

ولقياس تأثير المزاج على إصدار الأحكام والقرارات، يتم وضع مجموعة من الأشخاص تحت الاختبار والتحكم في مزاجهم سواء بالسعادة أو الحزن مؤقتاً، وقياس التباين في أحكامهم وقراراتهم بعد إحداث هذه الحالة المزاجية.

أظهرت الدراسات أنه يمكن أن يكون للمزاج الجيد أو السيئ تأثير كبير على أحكام الناس. حيث نشر عالم النفس الأسترالي جوزيف فورغاس حوالي 100 ورقة علمية حول موضوع المزاج. وتؤكد بعض أبحاث الدكتور فورغاس ما تعتقده بالفعل: الأشخاص الذين يتمتعون بمزاج جيد أكثر قبولاً للناس، فهم أكثر كرماً ومساعدة، وأحكامهم أكثر تفاؤلاً.

المزاج السلبي له تأثيرات معاكسة. كما كتب الدكتور فورغاس: "نفس الابتسامة التي ينظر إليها على أنها ودودة من قبل شخص في مزاج جيد قد يتم الحكم عليها على أنها محرجة عندما يكون المراقب في مزاج سلبي؛ مناقشة الطقس يمكن أن ينظر إليها على أنها "متوازنة" عندما يكون الشخص في مزاج جيد، ولكنها "مملة" عندما يكون هذا الشخص في مزاج سيء.

وبمعنى آخر، للمزاج تأثير ملموس على ما تفكر فيه: ما تلاحظه في بيئتك، وما تسترده من ذاكرتك، وكيف تفهم هذه الإشارات.

لكن المزاج له تأثير آخر أكثر إثارة للدهشة، فهو يغير أيضاً طريقة تفكيرك. وهنا التأثيرات ليست تلك التي قد تتخيلها!

أن تكون في مزاج جيد هو نعمة مختلطة، والحالات المزاجية السيئة لها جانب إيجابي. تكاليف وفوائد الحالة المزاجية المختلفة خاصة بالموقف.


مفاوضات ناجحة

في حالة التفاوض، على سبيل المثال، الأشخاص الذين يتمتعون بمزاج جيد يكونون أكثر تعاوناً ويطلبون المعاملة بالمثل، ويميلون إلى الحصول على نتائج أفضل من المفاوضين غير الراضين.

وبالطبع، المفاوضات الناجحة تجعل الناس سعداء أيضاً، ولكن في هذه التجارب، لا يكون المزاج بسبب ما يجري في المفاوضات؛ حيث يتم حثه قبل أن يتفاوض الناس. وقد تبين أن المفاوضين الذين ينتقلون من مزاج جيد إلى مزاج غاضب غالباً ما يحققون نتائج جيدة، وهو شيء يجب تذكره عندما تواجه نظيراً عنيداً.

من ناحية أخرى، فإن المزاج الجيد يجعلنا أكثر عرضة لقبول انطباعاتنا الأولى على أنها صحيحة دون تحديها. ففي إحدى دراسات الدكتور فورغاس، قرأ المشاركون مقالاً فلسفياً قصيراً أرفقت به صورة المؤلف. وتم تقسيم القراء إلى مجموعتين، حيث شاهد بعض القراء مؤلفاً ذكراً في منتصف العمر ويرتدي نظارات، بينما رأى آخرون شابة.

وجاءت النتائج أن تقييم المقال أخذ تصنيف أعلى للمجموعة الأولى التي رأت صورة رجل في منتصف العمر من تقييم المجموعة الثانية التي شاهدت شابة واعتقدت أنها كاتبة المقال، وبإجراء الاختبار لمرات أخرى مع إضافة الحالة المزاجية لكل مجموعة فإن أصحاب المزاج الجيد كانت تحيزاتهم تؤثر بصورة أكبر على تفكيرهم.

فيما اختبرت دراسات أخرى تأثير المزاج على السذاجة، حيث أجرى العالم السلوكي جوردون بينيكوك وزملاؤه العديد من الدراسات حول ردود أفعال الناس تجاه عبارات لا معنى لها وتبدو عميقة عبر تجميع الأسماء والأفعال المختارة عشوائياً من أقوال شخصيات مشهورة.

ويعرف الميل لاعتبار مثل هذه العبارات عميقة بـ "تقبل الهراء"، حيث أصبحت كلمة هراء أو Bullshit مصطلحاً علمياً منذ أن نشر هاري فرانكفورت، الفيلسوف في جامعة برينستون، كتاباً ثاقباً بعنوان On Bullshit، ميز فيه هذا المصطلح عن الأنواع الأخرى من التحريف.

والأمر العجيب أن الحالة المزاجية الجيدة تجعل الناس أكثر تقبلاً لهذا الهراء أو أكثر سذاجة بشكل عام، حيث يمكن أن يتأثروا بـ"التأكيدات التي تبدو مثيرة للإعجاب والتي يتم تقديمها على أنها حقيقية وذات مغزى ولكنها في الواقع فارغة".

الأحكام الأخلاقية

حتى الأحكام الأخلاقية تتأثر بشدة بالمزاج. ففي إحدى الدراسات، عرّض الباحثون الأشخاص لمشكلة تعرف باسم "جسر المشاة"، وهي مشكلة كلاسيكية في الفلسفة الأخلاقية.

وفي هذه التجربة الفكرية، يكون هناك 5 أشخاص على وشك الموت بسبب عربة هاربة، ويجب أن يتخيل الأشخاص أنفسهم وهم يقفون على جسر للمشاة، ستمر العربة عليه، ويجب اتخاذ قرار بأن يدفعوا رجلا ضخماً نحو العربة لإيقافها لإنقاذ باقي الأشخاص الخمسة، حيث سيتم التضحية بهذا الشخص في سبيل إنقاذ البقية.

وكنتيجة صادمة، عندما تم وضع الأشخاص في حالة مزاجية إيجابية من خلال مشاهدة مقطع فيديو مدته 5 دقائق، أصبحوا أكثر عرضة بثلاث مرات للقول إنهم سيدفعون الرجل بعيداً عن الجسر.

وتوضح مشكلة جسر المشاة الصراع بين مناهج التفكير الأخلاقي. حيث يشير الحساب النفعي، المرتبط بالفيلسوف الإنجليزي جيريمي بنثام، إلى أن خسارة حياة واحدة أفضل من خسارة خمسٍ. فيما يعتبر المبدأ الأخلاقي للفيلسوف إيمانويل كانط، أن قتل أي شخص حتى في سبيل إنقاذ العديد من الآخرين عمل غير أخلاقي.

عادة ما تكون نسبة الأشخاص الذي يقبلون الإقدام على هذا الفعل بالتضحية بشخص مقابل إنقاذ البقية - والذي يعد عملا نفعيا بغيضا – واحداً من كل 10 أشخاص، إلا أن هذه النسبة ترتفع 3 مرات عندما يشاهد الأشخاص فيديو لمدة 5 دقائق لتحسين حالتهم المزاجية.

وتشير هذه النتائج إلى أن التقلبات المزاجية اللحظية تؤثر على جودة أحكامنا بطرق لا يمكننا أن نأمل في السيطرة عليها. يجب أن يفرض هذا التباين أو "الضجيج" وقفة للتفكير على أي شخص يعتقد أنه بالإمكان إصدار أحكام موضوعية بحتة.