.
.
.
.
اقتصاد السودان

بعد عقود من العزلة.. السودان يخطو نحو التنمية

حصلت البلاد على موافقة دولية لشطب الديون والعودة إلى المجتمع الدولي

نشر في: آخر تحديث:

في مايو الماضي، حقق السودان إنجازاً كبيراً في إطار عمليته الانتقالية بعدما وافقت الدول الأعضاء في صندوق النقد الدولي على سداد متأخرات الدولة الإفريقية.

حينها اتخذ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، مضيف مؤتمر باريس في 17 مايو، الخطوة الأولى بالتزامه بإلغاء حصة فرنسا البالغة 5 مليارات دولار من ديون السودان.

وأعلن إيمانويل مولان رئيس نادي باريس في يوليو، أن نادي الدائنين الرسميين وافق على إلغاء 14 مليار دولار مستحقة على السودان، وإعادة هيكلة باقي المبلغ البالغ 23 مليار دولار المستحق للبلد الإفريقي.

يحاول السودان الخروج من عقود من العزلة والعقوبات المالية التي طالته في ظل حكم رئيسه السابق عمر البشير. وأخيرًا، بدأت البلاد في إحراز تقدم نحو التنمية الاقتصادية والاجتماعية، حيث يسعى صندوق النقد والبنك الدوليين إلى التنازل عن جزء كبير من ديون الدولة البالغة 60 مليار دولار.

أوضح الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش أن "السودان يمر بتحول سياسي واقتصادي تاريخي"، داعيًا المانحين والشركات إلى "استثمار جريء في مستقبل السودان السلمي والمستدام". وكانت المملكة المتحدة من بين الدول التي عرضت دعمها، واقترحت قرضًا تجسيريًا قيمته 148 مليون جنيه إسترليني لتخفيف ديون السودان. كما التزمت دول خليجية بمواصلة الاستثمار في اقتصاد البلاد المتدهور.

وبعد سنوات صعبة، يقوم السودان بتنفيذ سياسات من شأنها أن تعود بالفائدة على اقتصاده. وتتضمن الخطوات المخطط لها تعزيز تنمية القطاعات المهمة استراتيجيًا والمجالات المعرضة لقضايا الفساد. ومن خلال اختيار الشركاء المناسبين، يمنح السودان نفسه الفرصة لتجنب هذه الأنواع من المزالق.

أمن الطاقة

عانى السودان من انعدام الأمن في مجال الطاقة لسنوات، لكنه وجد أخيرًا التزاماً من دولة الإمارات العربية المتحدة بتزويده بكامل احتياجاته من المنتجات البترولية، من خلال عقد مع شركة إنتاج النفط الحكومية "أدنوك".

كما قالت وزارة الطاقة السودانية، إن السودان يتوقع التوصل إلى اتفاق طويل الأمد مع شركة أرامكو السعودية لتوريد مشتقات النفط بأسعار تفضيلية.

وقد عايش السودان نقصاً مزمناً في البنزين والديزل وزيت الوقود وغاز الطهي. وفي الماضي، أدى ذلك إلى الاختناقات في محطات الوقود وانقطاع التيار الكهربائي والاضطرابات العامة.

وتنص الاتفاقية مع الإمارات أيضًا على مساعدة السودان في إجراء تحويلات مالية دولية بين بنوك البلدين. فبعد سنوات من التراجع، أصبحت الروابط المصرفية الخارجية للسودان على وشك التلاشي، لكن هذا المشروع سيساعد في إعادة تأهيل هذه الروابط، وهي خطوة مهمة لمشاريع التنمية التعاونية المستقبلية.

تطوير الزراعة

بالنظر إلى أن 80٪ من القوى العاملة السودانية تعمل في الزراعة، فإن الاستثمار الكافي في هذا القطاع أمر حيوي لمستقبل مزدهر للأمن الغذائي. وقد أعلن الصندوق الدولي للتنمية الزراعية (إيفاد) عن اتفاقية تمويل في عام 2019 لبرنامج الموارد الطبيعية وسبل العيش المستدامة في السودان.

يهدف المشروع الذي تبلغ قيمته 77.7 مليون يورو إلى مساعدة 720 ألف مزارع من أصحاب الحيازات الصغيرة على التكيف بشكل أفضل مع تغير المناخ، وإدارة الموارد الطبيعية بشكل أكثر فعالية.

ففي السودان، تعتبر الإنتاجية المنخفضة والغلات المتغيرة معضلة بسبب عدم القدرة على التنبؤ بالمناخ، وظروف التربة المتدهورة، وانخفاض القدرات التكنولوجية، ونقص المعرفة بين المزارعين. وتوجد قضايا أخرى تتعلق بالتنافس على الموارد الطبيعية، مما يؤدي إلى الصراع، إلى جانب ترتيبات حيازة الأراضي الشاقة التي تعقد الصورة، وفق تحليل International Policy Digest.

ولدى الصندوق برنامجان إضافيان للاستثمار الزراعي في السودان جاري العمل فيهما.

كما يهدف برنامج تسويق الثروة الحيوانية إلى تحسين تنمية هذا النوع من الأعمال، وخلق إدارة للموارد الطبيعية بقيادة المجتمع المحلي وتعزيز القدرات التكيفية والمشاريع الريفية والتنمية الاجتماعية.

وتساهم مشاريع الصندوق معًا بملايين الدولارات في الاستثمار الزراعي.

استغلال الموارد الوطنية

كما يبدو أن السودان مستعد لإيجاد فرص عمل جديدة في صناعاته "الاستخراجية". ومنذ شطب الدولة من قائمة الدول الراعية للإرهاب، فُتحت الأبواب أمام شركات التعدين الدولية بسبب توفر خيارات التمويل.

إحدى الشركات التي أبدت اهتمامًا كبيرًا بالثروة المعدنية في السودان هي شركة Orca Gold الكندية التي يُزعم أنها تسعى إلى تسريع تطوير مشروع Block 14 في شمال البلاد، وهي صفقة يمكن أن تدر 300 مليون دولار للحكومة السودانية.

يمكن لمثل هذه الشراكة مع شركة من أميركا الشمالية، أن تكون أيضًا حافزًا قويًا في الجهود المبذولة للاستفادة من الموارد الطبيعية للبلاد. وسيكون هذا مفيدًا للاقتصاد، وفق ما أوردته International Policy Digest.

من ناحية أخرى، شهد السودان أيضًا زيادة في الاهتمام بخطه الساحلي المرتبط بقناة السويس. وقد أبدت كل من موانئ دبي العالمية الإماراتية وشركة تشاينا هاربور الهندسية وشركة قطرية اهتمامًا بالاستثمار في هذا المجال، مما يدل على مستوى المنافسة الجارية من أجل اقتناص الفرص على الساحل السوداني للبحر الأحمر.

يقال إن موانئ دبي العالمية تأمل في تطوير المحطة الجنوبية في بورتسودان، نقطة العبور البحرية الرئيسية في البلاد. وللصفقة في هذا المجال القدرة على خلق فرص تمويل في نفس الوقت مع زيادة كفاءة عمليات الموانئ في البلاد.

نحو المستقبل

من جانب آخر، عين الحكومة السودانية على المستقبل، وقد التقى المسؤولون السودانيون في أبريل الماضي مع Blockchain for Government Initiative من Bitcoin SV، خلال أول قمة وورشة عمل في السودان حول تقنية Blockchain أو سلاسل الكتل.

تحت رعاية وزارة الاتصالات والتحول الرقمي، رحب الحدث بالمسؤولين وقادة الأعمال والطلاب للتعرف على تقنية Blockchain. واستكشف المتحدثون كيف يمكن استخدام Blockchain لتحسين البنية التحتية الرقمية وتعزيز الاقتصاد من خلال التطبيقات في الخدمات الحكومية والتدقيق وإدارة الموارد الطبيعية والمدن الذكية وسلسلة التوريد وتتبع الشحنات.

بشكل عام، على الرغم من الأضرار التي أحدثها الوباء، يرى الكثيرون في المجتمع الدولي التقدم المتسارع للسودان.

قالت الدكتورة ناتاليا كانم، المديرة التنفيذية لصندوق الأمم المتحدة للسكان: "بعد أقل من عامين على الفترة الانتقالية، تم إحراز تقدم ملحوظ.. إننا ندعم التقدم لتلبية تطلعات شعب السودان".

ستكون السنوات القليلة المقبلة صعبة بالنسبة لسودان يخرج من قبضة الوباء والظروف الاقتصادية التي أوجدها النظام القديم. لكن البلاد وهي تخرج من العزلة، بات لديها الآن دعم من قائمة طويلة من المنظمات العالمية والشركات الموثوقة والصناديق التطلعية.