اكتشاف المعادن في السعودية.. إنجازات تنتصر على التحديات!
ارتفاع قيمة تقدير الثروات المعدنية لتصل إلى 9.3 تريليون ريال
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
للكشف عن المعادن في السعودية قصة طويلة بدأت منذ عهد المؤسس الملك عبدالعزيز، وامتدت إلى الآن في مرحلة تنفيذ رؤية 2030، مع تجاوز تحديات كبيرة وتسجيل إنجازات غير مسبوقة.
وحسب البيانات، ارتفعت قيمة تقدير الثروات المعدنية في المملكة في عام 2023 لتصل إلى 9.3 تريليون ريال وذلك من خلال برامج الاستكشاف.
في ظل رؤية السعودية 2030 - التي حددت التعدين كأحد أهم القطاعات التنموية الهامة وأحد أبرز القطاعات الواعدة لتمكين التنوع الاقتصادي والركيزة الثالثة للصناعات السعودية بعد النفط والغاز والبتروكيماويات - شهد القطاع نهضة كبرى في أطره التنظيمية والتشريعية وفي مشاريعه واستثماراته المحلية والأجنبية.
وشكلت الاستراتيجية الشاملة للتعدين والصناعات المعدنية التي أُطلقت في أواخر عام 2017، الأسس التي سيقوم عليها التحول الكبير في القطاع.
وكان من بين أهم ما ركزت عليه الاستراتيجية لتحقيق الاستفادة الأمثل من الموارد المعدنية، تمكين عمليات المسح والاستكشاف باعتبارها خطوة أساسية لتحقيق أهداف القطاع، مع تحديد أربع مراحل رئيسة لذلك وهي: زيادة الإنفاق على توفير البيانات الجيولوجية والاستكشاف لتعظيم استغلال الموارد المعدنية، والتركيز على تنمية قطاع المعالجة والتصنيع لرفع القيمة المضافة، وتحقيق التنمية المستدامة بمعايير عالمية، وتوفير البنية التشريعية والتنافسية لقطاع التعدين والمعادن.
صعوبات الاستكشاف
لكن يجب النظر في أن هناك صعوبات تكتنف استكشاف المعادن، ليس في المملكة فقط، بل في كل مكان من العالم، ويتطلب ذلك تكاليف وجهود مضاعفة إذا ما قورن بالكشف عن ثروات طبيعية أخرى.
بالنسبة للمعادن فعددها يبلغ أكثر من 50 معدنا ولكل معدن منها ما لا يقل عن 3 طرق للتواجد في الطبيعة، ليس هناك مكان محدد لوجودها، فهي إما على سطح الأرض، أو قريبًا منه، أو عميقة تحته، وكلما كانت المعادن عميقة يكون الكشف عنها أكثر تعقيدًا وتكلفة.
بينما النفط والغاز فهم يعتبرون معدنان لهم عدة تواجدات مدروسة في اليابسة والبحار توجد في أعماق أعلى، ولكن في مصائد محددة والتي هي عبار عن صخور ذات مواصفات خاصة تعمل على منع النفط من الحركةفي أي اتجاه.
ماهية المعادن
وفي شرح لعالم الجيولوجيا السعودي الدكتور عبد العزيز بنلعبون، ذكر أن المعادن في الصخور الحاضنة، خاصة الفلزية منها، عادة ما تكون في صخور نارية قديمة جداً ومتحولة وقاسية ومعقدة تركيبيًا، وقد تعود أعمارها إلى آلاف الملايين من السنين، وفي الصخور المعقدة عادة ما توجد المعادن في نطاقات التمعدن التي تعرضت لعمليات عنيفة من الحركات البنائية (التكتونية) مما يتسبب في طيّها وتصدّعها وتحوّلها وتهشمها.
وأضاف بنعلبون أنه "ليس هناك نماذج واضحة لطبيعة وجود المعادن، فقد توجد المعادن في عروق تخترق صخوراً أقدم. ومن الصعب معرفة جيولوجية تلك العروق المتمعدنة وتتبع مساراتها لكونها عشوائية، وليس هناك قاعدة لنوعية الصخور الحاضنة للعروق المتمعدنة. وفي المقابل هناك نظام واضح ومعروف لتكون النفط والغاز، وتجمعه، واحتباسه".
وأفاد بأنه "لابد من وجود صخور غنية بالمواد العضوية وهي صخور المصدر، وصخور ذات مسامية ونفاذية وهي صخور المكمن، وصخور عديمة النفاذية وهي الصخور الحابسة، ثم لابد من وجود المصائد".
4 أقاليم جيولوجية
وفي هذا السياق، من المهم الإشارة إلى أن الجيولوجيين يقسمون المملكة إلى أربعة أقاليم جيولوجية هي إقليم الدرع العربي أو صخور القاعدة، وإقليم الرف العربي، الذي يُعرف أيضاً باسم الرصيف القاري العربي أو منطقة الغطاء الرسوبي، وإقليم البحر الأحمر، وإقليم الحرات.
ويتكون إقليم الدرع العربي من صخور نارية ومتحولة، ويحتوي على الكثير من المعادن ذات القيمة الاقتصادية العالية، بينما يتكون الرفّ العربي المكوّن من صخور رسوبية من عدد كبير من الأحواض الصغيرة التي تحتوي على واحد من أكبر مخزونات النفط والغاز.
الاكتشاف المبكر للمعادن المملكة
وتحقق أول انتصار على صعوبات وتحديات الكشف عن المعادن في المملكة في وقت مبكر من تأسيسها، وذلك بفضل النظرة الثاقبة للملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود.
فمنذ ثلاثينيات القرن الميلادي الماضي انطلقت مسيرة الكشف عن المعادن الكامنة في أراضي المملكة بهدف الوصول إلى المناجم المنتجة، التي تدعم التنمية الوطنية وتغذية الصناعات بالمواد المعدنية اللازمة لمنتجاتها.
وكانت بداية أعمــــال التعديـن والتنقيـب عن المعـادن على وجه التحديد عندما وجّه الملك عبدالعزيز في شهر إبـريل من عام 1931م، الجيولوجي الأميركي؛ كارل س توتشل، للبحث عن المياه والمعادن في المملكة.
وفي عام 1934م، وقّعت الحكومة السعودية اتفاقية للتعديـن، مع نقابة التعديـن العربية السعودية "سامس"، وهي شركة سعودية بـريطانية أميركية، للبحث عن المعادن. وكان من نتائج أعمال الاستطلاع والاستكشاف التي قامت بها النقابة تحديد مواقع 55 منجماً قديماً خضع سبعة منها للاختبار بالحفر الماسي والتحاليل المختبرية. وثبت نتيجة لذلك وجود جدوى اقتصادية لأحد هذه المناجم وهو منجم مهد الذهب حيث بدأت أعمال التعدين بالمنجم في عام 1939م.
وفي المرحلة بين عام 1963م و1998 م تم التركيز على عمليات اكتشاف واستقصاء وحصر كافة مصادر الموارد المعدنية بمختلف أنواعها. وتميزت منهجية العمل في هذه المرحلة في مجال الاستكشاف التعديني باتباع ثلاث مسارات متوازية.
وركز المسار الأول على استكشاف مواقع معدنية في مناطق جغرافية وبيئات مناسبة تعرف بالأحزمة المعدنية، وتضمن المسار الثاني إجراء دراسات تفصيلية للمواقع التي اكتشفت وحددت باعتبارها مواقع واعدة، فيما تعلق المسار الثالث بإجراء دراسات الجدوى ما قبل الاقتصادية للرواسب الواعدة التي تم تحديدها؛ بهدف تسليمها للقطاع الخاص لإجراء دراسات الجدوى الاقتصادية. وعبر مراحل متعاقبة من جهود المسح الجيولوجي تم اكتشاف 35 حزاماً معدنياً منها 16 حزاما للذهب 15 حزاماً من أحزمة الكبريتيدية وحزام واحد نيكل و3 أحزمة للزنك.
الاستكشاف الحديث للمعادن
يمكن اعتبار العام 1998 هو عام انطلاق المرحلة الثالثة لاستكشاف المعادن المبني على ما سبق من مراحل. وفي هذه المرحلة، التي استلمت فيها هيئة المساحة الجيولوجية السعودية مع القطاع الخاص زمام التنقيب عن المعادن في المملكة، تمتحديث مسارات التنقيب التي تم تطبيقها في الماضي.
وفي الوقت نفسه استمرت أعمال التنقيب عن الذهب ومعادن الأساس (النحاس والزنك) والمعادن والصخور الصناعية.
وتميزت هذه المرحلة من الاستكشاف التعديني على الاستفادة من التطبيقات الجيوتقنية واستخدام طرق ونظريات حديثة في مجال التنقيب عن المعادن، وكان من نتائجها، اكتشاف عدد من مواقع معدن الذهب بكميات جيدة. كما تم إنتاج خريطة المعادن الفلزية بالمملكة التي اعتبرت من أهم عمليات تطور الاستكشاف المعدني.
تأسيس شركة "معادن"
وفي ذات المرحلة، وبالتحديد في عام 1997م، تم تأسيس شركة "معادن" بمرسوم ملكي يقضي بتوليها تطوير قطاع التعدين في المملكة.
ومنذ ذلك العام، مروراً بطرح 50% من أسهمها في السوق المالية السعودية (تداول) في عام 2008م، نتج عن برامجها في استكشاف المعادن في السعودية، تحقيق نمو كبير في موارد واحتياطات الذهب والنحاس والفوسفات والبوكسايت المعدني والمغنسايت والكاولين.
وقد حددت "معادن" أهداف برامجها لاستكشاف المعادن في المملكة في توفير خيارات لتحقيق النمو من خلال اكتشاف وتقييم الموارد المعدنية الجديدة واحتياطات الخام اللازمة لزيادة إنتاج المعادن، وذلك من خلال تطوير مناجم جديدة وإطالة العمر التشغيلي للمناجم القائمة والتوسع في إنتاجها.
وتعد "معادن" الآن أكبر مستثمر في مجال استكشاف المعادن في المملكة بصفتها الشركة الرائدة في مجال التنقيب والتعدين في المملكة. وتركز مشاريعها المستمرة للاستكشاف على إضافة موارد معدنية جديدة للذهب والنحاس والفوسفات ومعادن الأساس.
أشواط كبيرة
من جانبه، ذكر نائب وزير الصناعة والثروة المعدنية، خالد المديفر، أنه في غضون سبع سنوات تخللتها جائحة كورونا، قطعت وزارة الصناعة والثروة المعدنية ممثلة بشؤون التعدين من خلال تنفيذ مبادرات برنامج تطوير الصناعة الوطنية والخدمات اللوجستية (ندلب)، أشواطاً كبيرة لتحقيق نهضة القطاع الطامح لأن يكون الركيزة الثالثة للصناعة السعودية إلى جانب ركيزتي النفط والبتروكيماويات.
وأضاف المديفر: "يوما بعد آخر بدأت ملامح النهضة الكبرى في القطاع تتضح في العديد من المنجزات ذات الأثر المباشر على استكشاف المعادن واستغلالها الاستغلال الأمثل الذي يحقق أهداف الرؤية في التنويع الاقتصادي ومساهمة قطاع المعادن في الناتج المحلي. وقد اصطلح، لدى الخبراء والمختصين في قطاع التعدين في المملكة، على تسمية هذه المنجزات بالممكنات لكافة شؤون ومشاريع التعدين وصناعة المعادن، وعلى رأسها الاستكشاف التعديني الذي سيأخذ في هذه المرحلة بكل الإمكانات والتقنيات الحديثة ليكون أسرع وأكثر اتساعاً وشمولاً لكافة المواقع المتمعدنة في مناطق المملكة".
ممكنات الاستكشاف التعديني
ومن بين أهم وأكبر ممكنات الاستكشاف التعديني إطلاق برنامج المسح الجيولوجي عام 2020 الذي وصفه وزير الصناعة والثروة المعدنية، بندر بن إبراهيم الخريف، بأنه يمثل انطلاقة صلبة لتطوير قطاع التعدين في المملكة.
ويغطي هذا البرنامج حوالي 700 ألف كيلومتر مربع من منطقة الدرع العربي الغنية بالمعادن الواقعة في غرب المملكة العربية السعودية. وقد تم الانتهاء من 62% من أعمال المسح في ديسمبر من العام الماضي، حيث تمت مشاركة بياناتها الحديثة مع المستثمرين لترتفع نسبة بيانات المسح الحديث المتاحة على قاعدة البيانات الجيولوجية الوطنية إلى 70%.
وقفز عدد الشركات الكشف العاملة في القطاع من 6 شركات في العام 2020 إلى 133 شركةالعام 2023، منها 31% سعودية، و69% منها تحالفات سعودية أجنبية.
نظام الاستثمار التعديني
أما الممكن الآخر فهو نظام الاستثمار التعديني الذي يعد من بين أفضل الأنظمة تنافسية على مستوى العالم من حيث ما اشتمل عليه من شفافية إجراءات تراخيص الاستكشاف والحوكمة المالية، إضافة إلى ما تضمنه من حوافز مهمة لتشجيع الاستثمار في قطاع التعدين بشكل عام وفي استكشاف المعادن في المملكة بشكل خاص.
ومن بين هذه الحوافز إقرار معدلات ضرائب متساوية وتنافسية للمستثمر المحلي والدولي، والسماح بتأسيس شركات أجنبية بنسبة 100%، بالإضافة إلى فرصة الحصول على تمويل يصل إلى 75% من تكاليف رأس المال من خلال صندوق التنمية الصناعية. وكذلك الاستفادة من فترة إعفاء تصل إلى خمس سنوات للمناجم الجديدة، وتقديم خصم يصل إلى 90% على عائدات المعادن للبيع المحلي أو تطوير الصناعات التحويلية محليًا. كما يدعم صندوق تنمية الموارد البشرية الرواتب الشهرية بنسبة 30-50%للموظفين السعوديين، و(10% إضافية للموظفات) لمدة 3 سنوات.
وشملت الحوافز، أيضاً، إعفاء من الرسوم الجمركية على الآلات والمعدات والمواد الخام وقطع الغيار المستوردة في حال استخدامها في المجال الصناعي.
مؤتمر التعدين الدولي
وبالإضافة إلى ما اشتمل عليه نظام الاستثمار التعديني من حوافز، أطلقت وزارة الصناعة والثروة المعدنية، بالتعاون مع وزارة الاستثمار خلال النسخة الثالثة من مؤتمر التعدين الدولي، حوافز جديدة في العام 2024 تمتد إلى العام 2030 بما مقداره 685 مليون ريال. وتدعم هذه الحوافز الشركات الحاصلة على رخص كشف سارية لأقل من 5 سنوات، بقيمة تصل إلى 7.5 ملايين ريال كحد أقصى لكل رخصة. وتهدف إلى تقليل المخاطر على شركات الاستكشاف خلال مراحلها الأولى.
الاستكشاف المسرع
من أبرز وأهم المبادرات التي أطلقتها وزارة الصناعة والثروة المعدنية لتنشيط استكشاف المعادن في المملكة مبادرة الاستكشاف المسرع التي تهدف إلى جذب الاستثمارات التعدينية وتسريع عمليات الاستكشاف، وإجراء المسوحات والتقييم للمعادن الاستراتيجية، واستكشاف وتطوير المواقع الواعدة لتدريب وتطوير الكوادر المحلية لبناء قطاع الاستكشاف.
وشاركت أكثر من 110 شركات في 7 جولات للمنافسات التعدينية. وتم تخصيص أكثر من 753 مليون ريال من الشركات الفائزة لدعم أعمال الاستكشاف.
ومنذ عام 2022، وضمن مبادرة الاستكشاف المسرع، أطلقت وزارة الصناعة والثروة المعدنية سبع جولات للمنافسة على رخص الاستكشاف للشركات المحلية والدولية في 26 موقعاً على مساحة أكثر من 9 آلاف كم2 وتقدم لهذه المنافسات 110 شركات فاز منها 21 شركة؛ منها شركات أجنبية ومحلية وتحالفات مشتركة.
وبلغ إجمالي الإنفاق على الاستكشاف في الفترة من (2019-2023) 1.33 مليار ريال سعودي نصفها (445 مليون ريال) في العام الماضي.
المملكة الأسرع تقدماً على مستوى العالم
حققت المملكة تصنيف الدولة الأسرع تقدما على مستوى العالم في تطور البيئة الاستثمارية في قطاع التعدين خلال الأعوام (2018-2023)، وفقا لتقرير مخاطر الاستثمار الصادر عن(MineHutte) بالتعاون مع (مايننج غورنال).
وجاءت السعودية في المرتبة الثانية عالميًا في مؤشر منح الرخص التعدينية، وحققت تطوراً كبيراً في مؤشر مخاطر السياسات المالية، ما يجعلها من بين أفضل 10 دول في السياسات المالية للتعدين في جميع أنحاء العالم.
كما أحرزت المملكة تقدمًا كبيرا في مؤشر البنية التشريعية واللوائح التنظيمية، لتصبح ضمن أفضل دول التعدين في العالم من حيث الأطر التشريعية والتنظيمية، وأصبحت نموذجًا يحتذى به في عمليات تحسين الأطر التنظيمية وتطوير قطاع التعدين بالدول المجاورة.
-
"الصناعة" السعودية تخصص 5 مواقع لإقامة مجمعات تعدينية بالرياض ومكة وعسير
لتطوير البيئة الاستثمارية التعدينية في المملكة وتعزيز جاذبيتها للمستثمرين
اقتصاد -
السعودية تعلن فوز 11 شركة محلية وعالمية برخص الكشف في 6 مواقع تعدينية
الرخص لمواقع في الرياض ومكة المكرمة وعسير
اقتصاد السعودية -
تقديرات هائلة لقطاع التعدين السعودي.. كنوز بتريليونات الريالات
زادت عدد التراخيص بنسبة 260% بنهاية عام 2023
قصص اقتصادية