احتيال

شبكة غسل أموال عالمية.. هكذا تتحرك "الأموال القذرة"!

الدليل الكامل للطرق الحديثة لإخفاء الأموال غير المشروعة

نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
8 دقائق للقراءة

كل بضعة أسابيع، تُضيء الألعاب النارية سماء كمبوديا ليلاً، يُطلقها المحتالون احتفالاً بأكبر عمليات الاحتيال التي ينفذونها.

بحلول الوقت الذي تُفرقع فيه القذائف وتُصدر صوت طقطقة، تكون مدخرات شخص ما ضاعت على الأرجح. ربما وقع الضحية في فخ احتيال عاطفي عبر الإنترنت أو اشترى عملة مشفرة وهمية. مهما كانت الخطة، فقد اختفت الأموال، ودخلت في شبكة غسل أموال معقدة تُحرك مليارات الدولارات بسرعة مذهلة.

حاول مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (FBI) ووزارة الأمن العام الصينية والإنتربول وجهات أخرى مكافحة المحتالين، الذين غالباً ما يتربصون على وسائل التواصل الاجتماعي وتطبيقات المواعدة، ويستدرجون الناس إلى مخططات مالية وهمية أو حيل أخرى. حجبت شركات الاتصالات أرقاماً، وأصدرت البنوك تحذيرات متكررة.

ومع ذلك، لا تزال هذه الصناعة قائمة بفضل كفاءة عمليات غسل الأموال التي تقوم بها، والقوانين الموازية التي يلتزم بها المحتالون والمجرومون فيما بينهم، بما يضمن سمعة تلك المنصات في الجريمة الكاملة، وفق تحقيق موسع أجرته صحيفة "نيويورك تايمز"، واطلعت عليه "العربية Business".

يخسر الضحايا الغافلون حول العالم عشرات المليارات من الدولارات سنوياً، وهي أموال يجب غسلها من أصولها الإجرامية وإيداعها في الاقتصاد الشرعي. نظام غسل الأموال مُعقد لدرجة أنه عندما تضربه الحكومات في مكان، يظهر فجأة في مكان آخر.

يبرز هذا العالم السفلي في العاصمة الكمبودية، بنوم بنه، موطن مركز مقاصة عالمي لغاسلي الأموال. ويمكن رؤيته أيضاً في مدينة سيهانوكفيل الساحلية، ملاذ المحتالين سيئ السمعة. يمارس المحتالون تجارتهم من مراكز الاتصال، ويعملون في مجمعات محصنة أو في الطوابق العليا من ناطحات السحاب غير المكتملة. تعج المطاعم المطلة على البحر بغاسلي الأموال وغيرهم من المجرمين.

عناصر الجريمة وطرق التنفيذ

تتألف شبكات الاحتيال بالأساس من المحتالين، لكن الأموال التي احتالوا عليها يجب أن تتحرك بسرعة قبل إبلاغ الشرطة والبنوك، والتي قد تجعلهم عرضة للملاحقة وسلب غنائهم مرة أخرى.

ولهذا، فإن غاسلي الأموال أساسيين للمجرمين كأهمية سائقي السيارات لسارقي البنوك. لولاهم، لما كانت هناك غنائم.

فكيف يتم ذلك؟ بحسب "نيويورك تايمز"، فإن تكتل مالي عريق في كمبوديا يُدعى مجموعة "هووايون"، تعد مركزاً رئيسياً لإدارة البنية التحتية لهؤلاء المحتالين عبر توفير غاسلي الأموال، والوسطاء، وحتى نظام المقاصة والموارد البشرية، وحل النزاعات بين تلك الأطراف.

الجريمة هنا ليست شخص يعمل فقط لحسابه لكنها منظومة متكاملة تعمل معاً لضمان الغنائم.

"هووايون" أو (Huione) بحسب نيويورك تايمز، شركة راسخة تمارس أعمالاً نشطة ومشروعة في جنوب شرق آسيا، ولديها شركات تابعة في أنحاء أخرى من العالم. يستخدم العملاء العاديون في كمبوديا شبكتها لدفع فواتيرهم في الفنادق والمطاعم ومحلات السوبر ماركت. وتُلصق إعلانات Huione على طول الطرق السريعة الرئيسية. وتشمل خدماتها المالية الخدمات المصرفية والتأمين.

ولكن ليست جميع شركاتها التابعة مشروعة. يقدم أحد فروعها خدمات غسيل أموال مصممة خصيصاً، وفقاً للوثائق الصادرة عن الشركة، ومقابلات مع شخصين مطلعين على العملية بشكل مباشر.

ويدير فرع آخر علناً سوقاً إلكترونياً للمجرمين للعثور على غاسلي الأموال. يكاد يكون من المستحيل قياس الحجم الدقيق لهذا السوق، لكن شركة التحليلات "إليبتيك" ربطته بمعاملات عملات مشفرة بقيمة 26.8 مليار دولار منذ عام 2021. تتسم هذه الصناعة بغموضها الشديد، مما يصعب معه فصل المعاملات المشروعة عن المعاملات غير المشروعة، لكن "إليبتيك" تقول إن هذه السوق هي أكبر سوق إنترنت غير مشروع في العالم.

وحتى أن "هون تو"، ابن عم رئيس وزراء كمبوديا، هو مدير إحدى شركات "هووايون".

يضم عملاء الشركة مؤسسات إجرامية كبيرة، مثل جماعة في ميانمار تستغل ضحايا الاتجار بالبشر، وفقاً لمحتال وغاسل أموال، وفقاً لفحوصات أجرتها شركتا التحليلات "إليبتيك" و"تشيناليسيس" لتجارة العملات المشفرة.

ومع ذلك، تعمل شبكة غسل الأموال هذه دون عقاب. لم تُستهدف الجماعة قط بعقوبات من أي حكومة. جمّدت شركة العملات المشفرة "تيثر" بعض حسابات المجموعة، بناءً على طلب مسؤولين أمنيين لم يُحددوا هويتهم، وأغلق تطبيق المراسلة "تليجرام" بعض قنواته. لكن لم يُسفر أيٌّ من الإجراءين عن تأثير دائم.

خطوات العملية

تخيل أنك محتال، تخدع الناس وتسلبهم مدخراتهم. أنت بحاجة إلى وسيلة لتهريب أموالك من دول حول العالم. أنت بحاجة إلى سمسار.

السمسار هو وسيط موثوق يتولى إيصال أموالك إلى بلدك. يمتلك الوسيط الجيد شبكة عالمية من الأشخاص، يُعرفون باسم "البغال"، يمكنهم تحويل الأموال في غضون ساعات.

يمكن أن يكون "بغل المال" شخصاً أو شركة وهمية تتحكم في حساب مصرفي محلي أو محفظة عملات رقمية.

بمجرد العثور على وسيط، سيودع الأموال في حساب الضمان، مما يضمن عملياً عدم هروبه بأموالك خلال العملية.

الآن أنت مستعد لبدء عملية الاحتيال.

لنفترض أنك خدعت شخصاً ما ليرسل إليك 40,000 دولار.

الخطوة الأولى: تعقد صفقة مع وسيط. في عمليات الاحتيال الأميركية، يطلب الوسيط عادةً 15% من العائدات لنفسه ولوسطاءه.

الخطوة الثانية: يجد الوسيط الأشخاص المناسبين للمهمة، ويحصل لك على صفقة.

الخطوة الثالثة: يرسل لك الوسيط تفاصيل الحساب المصرفي أو محفظة العملات المشفرة الخاصة به. ترسل أنت هذه المعلومات إلى ضحيتك.

الخطوة الرابعة: يرسل ضحيتك 40 ألف دولار إلى حساب وسيطك.

الخطوة الخامسة: ينقل الوسيط الأموال من حساب إلى آخر، ويحولها في النهاية إلى عملة مشفرة.

الخطوة الأخيرة: يأخذ الوسيط نسبة من المبلغ مقابل خدماته ويرسل الباقي إلى باقي مساعديه. يدفع الوسيط لنفسه، ويمنحك 34 ألف دولار.

إحدى الشركات التابعة لـ "هووايون"، وهي شركة "Huione Guarantee"، تعمل كضامن لمعاملات غسل الأموال. لماذا؟ لأن اللصوص ليس عندهم شرف، والمحتالون يتعرضون للاحتيال أيضاً. ولإثبات مصداقيتهم، يدفع غاسلي الأموال ووسطاء الأموال وديعة لشركة "Huione Guarantee"، التي تحتفظ بها في حساب الضمان. هذا يضمن للمحتالين عدم فرار أي شخص بأموالهم (أو إذا هرب أحدهم، فسيخسر بعضاً من أمواله الخاصة).

تُجرى معظم المعاملات بالعملة المشفرة "تيثر"، ولكن بعضها يُجرى نقداً أو ذهباً أو عبر التحويلات المصرفية. (حتى أن سوق هووايون أصدر عملته الرقمية الخاصة العام الماضي).

وتنفي الشركة أي علاقة إجرامية في بيانات إخلاء المسؤولية المنشورة على موقعه الإلكتروني وقنواتها على تيليغرام.

فيما تعمل شركة أخرى تابعة لـ هووايون، وهي هووايون إنترناشونال باي، كوسيط وفقاً لوثائق داخلية للشركة وشخصين مطلعين على عملياتها.

وتشير الوثائق والمطلعون إلى أن شركة Huione International Pay تعمل بكفاءة بنك شرعي ومهني.

ويتولى أحد أقسام الشركة علاقات العملاء مع المحتالين وغيرهم من الجهات غير المشروعة. ويراقب قسم آخر قنوات تيليغرام. ويتتبع قسم ثالث حسابات تهريب الأموال في 12 دولة على الأقل، وفقاً لوثائق داخلية راجعتها "نيويورك تايمز".

من جانبه، أكد البنك الوطني الكمبودي، الذي يُنظّم المؤسسات المالية، أن الحكومة ملتزمة بضمان "سلامة وشفافية المعاملات المالية". وأضاف أن الحكومة تعمل على الامتثال للتوصيات الدولية لمكافحة غسل الأموال.

وأعلن البنك الوطني أنه لم يُجدّد ترخيص خدمة الدفع الخاصة بشركة Huione للعمل في كمبوديا لأنها "لم تستوفِ متطلبات التجديد". وأعلنت Huione بسرعة عن خطط لتسجيل أعمالها في اليابان وكندا.

صيد البغال

"بغال الأموال" هم الأشخاص الذين يُديرون الحسابات المصرفية والمحافظ.

يفتح بعض المُتاجرين بالأموال هذه الحسابات المصرفية باستخدام هويات مزيفة، وهو ما سهّل الذكاء الاصطناعي عملية إنشائه، وفقاً لإيلاد فوكس، الذي يراقب عمليات الاحتيال في شركة Chainalysis.

في هذه الأيام، تحاكي عمليات الاحتيال المؤسسات المهنية، حيث توظف آلاف الأشخاص في أقسام التسويق والمبيعات والموارد البشرية. غالباً ما يقع العديد من الموظفين ضحايا للاتجار بالبشر، ويُجبرون على الاحتيال على أهداف بعيدة.

كما تضم ​​قائمة مرتبات المحتالين عارضات أزياء جذابات يُدفع لهن للانضمام إلى مكالمات الفيديو وإقناع الضحايا بالتخلي عن أموالهم. يتبادل بعضهن وجوههن باستخدام الذكاء الاصطناعي.

يضطر المحتالون، كغيرهم، إلى دفع أموال لمُلّاك العقارات - مقابل السكن، وفي حالتهم، مقابل الحماية.

ثم هناك خدمات خفية، يمكن شراء الكثير منها عبر سوق هويون. يدفع المحتالون لمطوري البرامج لإنشاء مواقع إلكترونية تُحاكي منصات الاستثمار. يحتاجون إلى بنية تحتية للإنترنت والحاسوب. ويدفعون للصوص لسرقة البيانات الشخصية للضحايا المحتملين: أرقام الهوية الوطنية، ومعلومات بطاقات الائتمان، وبيانات الموقع، وحتى تفاصيل عن إقامات الفنادق السابقة.

سيُخصص جزء من هذه الأموال لمعارض السيارات الفاخرة، ويُستخدم جزء آخر لشراء عقارات في مدن رئيسية حول العالم.

وبالطبع، سيُخصص جزء منها للألعاب النارية.

انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.