طيران

بوينغ 2707.. قصة "الكونكورد الأميركية" التي انتهت في كنيسة!

الطيران التجاري الأسرع من الصوت لا يزال حلم شركة أميركية جديدة تخطط لإعادته للعالم في 2029

نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
6 دقائق للقراءة

بينما تستعد شركة أميركية لإطلاق رحلات جوية أسرع من الصوت بحلول عام 2029، تعود الأنظار إلى محاولة أميركية سابقة وطموحة لكسر حاجز السرعة، عبر مشروع طُوي في أرشيف التاريخ مثلته الطائرة "بوينغ 2707"، أو ما يُعرف بـ"الكونكورد الأميركية المفقودة".

عند الحديث عن الطيران التجاري الأسرع من الصوت، تتجه الأنظار مباشرة إلى أوروبا. فقد دخلت طائرة "الكونكورد" الخدمة في 21 يناير 1976 كثمرة تعاون بين بريطانيا وفرنسا، بينما ظهرت منافستها الروسية "توبوليف Tu-144" في خضم الحرب الباردة، لكنها لم تعمّر طويلاً.

أما الولايات المتحدة، فرغم أن نيويورك أصبحت لاحقاً الوجهة الأبرز للكونكورد، فإن شركات الطيران الأميركية لم تضف طائرات أسرع من الصوت إلى أساطيلها، وظلت خارج هذا السباق، وفقاً لما ذكرته صحيفة "التليغراف".

لكن الأمور تتغير. فبعد أكثر من 20 عاماً على تقاعد الكونكورد، تستعد أميركا للعودة إلى الساحة عبر طائرة "Boom Overture"، التي يُتوقع أن تنطلق عام 2029 بسرعة تصل إلى "ماخ 1.7" (1122 ميلاً في الساعة).

ومع ذلك، لم تكن هذه المحاولة الأولى لأميركا. فقد خاضت السباق سابقاً عبر مشروع طموح حمل اسم "بوينغ 2707"، والذي وصف لاحقاً بأنه "الكونكورد الأميركية المفقودة".

بداية مبكرة.. ونكسة مفاجئة

بدأت "بوينغ"، ومقرها سياتل، أبحاثها حول الطيران الأسرع من الصوت عام 1952، أي قبل 4 سنوات من تأسيس لجنة الطائرات الأسرع من الصوت البريطانية (STAC). لكن بينما تحركت بريطانيا نحو التنفيذ، بقيت الأفكار الأميركية حبيسة الرسومات الهندسية.

وجاء الإعلان المفاجئ عن المعاهدة البريطانية الفرنسية في 29 نوفمبر 1962، والتي أطلقت مشروع الكونكورد، ليشكل صدمة في واشنطن. فبعد أن كشفت موسكو عن تفاصيل "توبوليف Tu-144" في يناير من نفس العام، ها هي أوروبا الغربية تتقدم أيضاً.

وفي غضون 7 سنوات فقط، حلقت الكونكورد لأول مرة من تولوز في 2 مارس 1969، بينما كانت أميركا لا تزال تتخبط في رد فعلها.

بدأت الحكومة الأميركية تأخذ الأمر بجدية مع دخول جون كينيدي البيت الأبيض عام 1961، وإطلاقه مشروع "هورايزن" لتطوير الطيران. لكن الإعلان الأوروبي جاء كصفعة، وأثار ذعراً في واشنطن.

ففي 2 ديسمبر 1962، كتب نجيب حلبي، مدير إدارة الطيران الفيدرالية، رسالة إلى كينيدي يحذره فيها من سيناريو كارثي "أن تصبح جميع الطائرات التجارية أسرع من الصوت، ومن صنع أوروبي". وقدر الخسائر المحتملة بـ50 ألف وظيفة، و4 مليارات دولار من الدخل، و3 مليارات من رأس المال، إذا اضطرت الشركات الأميركية لشراء الطائرات من الخارج.

ولم يتأخر الدليل على خطورة الموقف. ففي 3 يونيو 1963، أعلنت "بان آم" عن طلبية لشراء 6 طائرات كونكورد. غضب كينيدي، واتصل برئيس الشركة خوان تريب، مطالباً بتحويل الاستثمار إلى الداخل الأميركي.

الرد الأميركي: طائرة أفضل.. أكبر.. أسرع

بعد يومين فقط، أعلن كينيدي عن "البرنامج الوطني للطائرات الأسرع من الصوت"، وهو مشروع طموح بتمويل حكومي ضخم لتطوير طائرة أميركية تتفوق على الكونكورد. لم يكن الهدف تقليد الطائرة الأوروبية، بل تقديم جيل جديد يتفوق عليها.

وُجهت الدعوة إلى عمالقة الصناعة مثل "بوينغ" و"لوكهيد" و"نورث أميركان"، إلى جانب شركات تصنيع المحركات مثل "جنرال إلكتريك" و"برات آند ويتني". وبعد 4 سنوات من التقييم، تم اختيار تصميم بوينغ 2707 في 1 يناير 1967.

على الورق، بدت "2707" وكأنها قفزة نوعية. فبينما كانت الكونكورد تستوعب بين 92 و128 راكباً، صممت الطائرة الأميركية لتتسع لـ300 راكب. وكانت مزودة بأربعة محركات من طراز GE4/J5، قادرة على التحليق بسرعة "ماخ 3" (2302 ميلاً في الساعة)، مقارنة بـ"ماخ 1.76" للكونكورد.

كما تميزت بنظام "الأجنحة الديناميكية"، المستوحى من الطائرات العسكرية، والذي يسمح بتغيير شكل الأجنحة حسب مرحلة الطيران (مستقيمة في السرعات المنخفضة، ومثلثة "دلتا" عند التحليق الأسرع من الصوت).

بداية واعدة.. ونهاية مأساوية

كان من المفترض أن يتم بناء نموذجين أوليين في عام 1967، والبدء في الإنتاج عام 1969، ثم أول رحلة تجريبية في 1970، على أن تدخل الطائرة الخدمة التجارية بحلول 1974.

وبحلول أكتوبر 1969، تلقت بوينغ 122 طلبية من 26 شركة طيران، بينها أسماء أميركية وأوروبية. لكن المفاجأة أن أياً من هذه الطائرات لم يصنع قط.

فمنذ البداية، واجه المشروع مشكلات تقنية معقدة. فحتى في مرحلته النظرية، كانت الطائرة ثقيلة للغاية ومعقدة في التصميم. وفي أكتوبر 1968، تم التخلي عن نظام "الأجنحة المتحركة"، كما تم تقليص عدد المقاعد إلى 234 راكباً. ولم يبدأ العمل الفعلي على النماذج الأولية إلا في سبتمبر 1969، أي بعد عامين من الموعد المحدد.

وفي تلك الأثناء، تغير المشهد السياسي. فقد اغتيل كينيدي، وقرر خليفته ليندون جونسون عدم الترشح مجدداً، ليأتي الجمهوري ريتشارد نيكسون ويقلب المعادلة.

"الانفجار" الذي قلب الرأي العام

رغم أن إدارة نيكسون دعمت المشروع، إلا أن المعارضة بدأت تتصاعد، خصوصاً بسبب الضوضاء. ففي ربيع 1964، أجرت الحكومة الأميركية تجربة مثيرة للجدل في مدينة أوكلاهوما، أطلق عليها "عملية بونغو 2"، حيث حلقت طائرات عسكرية بسرعة الصوت فوق المدينة لمدة 6 أشهر، وأحدثت 1253 انفجاراً صوتياً.

ورغم الحماس الأولي، سرعان ما سئم السكان من "الانفجارات"، التي كانت تبدأ في السابعة صباحاً وتستمر 8 مرات يومياً. وعندما توقفت الرحلات، كانت السلطات قد تلقت 9594 شكوى، أبرزها تحطم نوافذ أطول ناطحتي سحاب في المدينة. وانتهت التجربة بدعوى قضائية جماعية ضد الحكومة، وتحول في الرأي العام الأميركي ضد الطيران الأسرع من الصوت.

وفي 20 مايو 1971، صوّت مجلس النواب الأميركي ضد استمرار تمويل البرنامج، بنتيجة 215 مقابل 204. وهكذا، انتهى مشروع بوينغ 2707 بضربة بيروقراطية واحدة.

نهاية حزينة.. ودرس تاريخي

ورغم أن إلغاء المشروع كلف بوينغ نحو 60 ألف وظيفة، إلا أن الشركة استفادت من تركيزها على تطوير طائرة "747"، التي كانت أبطأ، لكنها أكثر نجاحاً من الكونكورد. فبينما لم يصنع سوى 20 طائرة كونكورد، أنتجت بوينغ 1574 طائرة "جامبو" حتى توقف الإنتاج في 6 ديسمبر 2022.

أما بوينغ 2707، فلم تحظ بنهاية سعيدة. النموذج الوحيد الذي خرج من المصنع لم يكن سوى هيكل غير مكتمل، يلمح إلى ما كان يمكن أن يكون.

وفي عام 1973، اشترى متحف صغير في مدينة كيسيمي بولاية فلوريدا النموذج، ليكون "الجاذب الرئيسي" حتى عام 1981. لكن الإهانة الأخيرة جاءت في 1983، حين اشترت كنيسة النموذج، ولم تستطع نقل الطائرة بسبب حجمها، فبقيت في مكانها بينما كانت تُقام الصلوات تحت جناحيها.

وفي عام 2013، عادت الطائرة إلى "موطنها" في متحف الطيران بمدينة سياتل، لكن رغم مرور 12 عاماً على بدء ترميمها، لم تعرض حتى الآن.

انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.