اقتصاد الصين

ليس الذكاء الاصطناعي.. مستثمر صيني يكشف نقطة ضعف بلاده في سباقها مع أميركا

فرضت السلطات الصينية قيوداً على تلقي شركات التكنولوجيا الخاصة رؤوس أموال أميركية

نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
6 دقائق للقراءة

رغم احتدام المنافسة التكنولوجية بين الولايات المتحدة والصين، يرى أحد أبرز المستثمرين الصينيين أن التحدي الأكبر الذي يواجه بكين لا يتعلق بالذكاء الاصطناعي أو أشباه الموصلات أو الرسوم الجمركية، بل بمنظومتها المالية التي أصبحت الحلقة الأضعف في مسيرة صعودها الاقتصادي.

وقال الرئيس التنفيذي لشركة "بريمافيرا كابيتال"، فريد هو، والمسؤول السابق في غولدمان ساكس، إن النظام المالي الصيني تحول إلى "اللوح الأقصر" في الاقتصاد، في وقت تتسارع فيه خطوات فك الارتباط المالي والاستثماري بين واشنطن وبكين.

ويعد هو من أبرز الشخصيات التي ساهمت في فتح الأسواق الصينية أمام وول ستريت، كما دعمت شركته استثمارات في شركات عملاقة مثل علي بابا وبايت دانس المالكة ل"تيك توك" وديدي ويام تشاينا، وفقاً لما ذكرته شبكة "CNBC"، واطلعت عليه "العربية Business".

وربط هو بين مستقبل الابتكار الصيني وقدرته على الوصول إلى التمويل، محذراً من أن القيود المتبادلة بين الصين والولايات المتحدة على تدفقات رأس المال قد تفرض تكلفة باهظة على الاقتصاد الصيني. فبينما شددت واشنطن القيود على استثمارات الأميركيين في الشركات الصينية العاملة في التقنيات الحساسة، اتجهت بكين بدورها إلى تقييد وصول بعض الشركات التكنولوجية المحلية إلى التمويل الأميركي.

وفرضت السلطات الصينية قيوداً على تلقي شركات التكنولوجيا الخاصة رؤوس أموال أميركية من دون موافقات حكومية، كما تزايدت الحساسية السياسية تجاه إدراج الشركات الصينية في البورصات الأميركية. وفي المقابل، حظرت الولايات المتحدة على بعض صناديق التقاعد والمؤسسات التعليمية الاستثمار في شركات صينية تعمل في مجالات تعتبرها حساسة استراتيجياً.

وأشار هو إلى أن صناديق الاستثمار المباشر الأميركية تمكنت إلى حد كبير من تجاوز تداعيات التوترات الجيوسياسية، بينما تعرضت نظيراتها الصينية لضغوط متزايدة من الجانبين. وأضاف أن شركات الاستثمار الصينية لا تزال تعتمد بدرجة كبيرة على المستثمرين الأميركيين لجمع الأموال.

وقال إن الفجوة التمويلية بين البلدين لا تزال هائلة، إذ تبلغ قيمة سوق الأسهم الأميركية نحو 75 تريليون دولار، مقارنة بحوالي 22 تريليون دولار فقط لأسواق الصين وهونغ كونغ مجتمعة، فضلاً عن وجود آلاف صناديق التقاعد الأميركية التي تمثل مصدراً دائماً للسيولة الاستثمارية.

وأوضح أن الأموال الحكومية الصينية غالباً ما تكون موزعة على صناديق محلية صغيرة ومتفرقة، في حين تواصل الحكومة فرض سيطرة قوية على المدخرات الضخمة للأسر الصينية، ما يحد من قدرة القطاع الخاص على تعويض تراجع التمويل الأجنبي.

ويرى الباحث في معهد بروكنغز، كايل تشان، أن الشركات الناشئة الصينية فقدت أحد أهم مصادر تمويلها مع تراجع الاستثمارات الأميركية نتيجة المخاطر التنظيمية، متوقعاً تشديد القيود الأميركية على تدفقات رأس المال إلى الصين خلال الفترة المقبلة.

معضلة رأس المال والسيطرة

وأكد خبراء أن بكين لم تسع يوماً إلى استنساخ نموذج وول ستريت، إذ تعتبر السيطرة على تدفقات رأس المال جزءاً أساسياً من أدوات إدارة الاقتصاد والتوجيه الصناعي.

وأشار تشان إلى أن القيادة الصينية تنظر إلى رأس المال باعتباره مورداً استراتيجياً لا ترغب في التخلي عن السيطرة عليه، بخلاف النموذج الأميركي الذي يمنح المؤسسات المالية الخاصة دوراً أكبر في توجيه الاستثمارات.

ولعب النظام المالي الصيني دوراً محورياً في دعم القطاعات الاستراتيجية التي تراهن عليها الحكومة، مثل السيارات الكهربائية والذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة، من خلال ضخ استثمارات حكومية ضخمة.

وأظهرت بيانات مجموعة روديوم أن نشاط الاستثمار المباشر ورأس المال الجريء لا يزال أقل بكثير من ذروته المسجلة عام 2021، فيما ارتفعت مساهمة الصناديق الحكومية إلى 81% من رؤوس الأموال الجديدة خلال العام الماضي مقارنة مع 65% في 2019.

وحذرت المجموعة من أن هذا النهج قد يساعد على تحقيق الأهداف الصناعية قصيرة الأجل، لكنه قد يؤدي على المدى الطويل إلى زيادة الهدر وضعف الكفاءة الاقتصادية نتيجة التوسع في توجيه الموارد مركزياً.

ثروة ضخمة غير مستغلة

وأكد هو أن الصين لا تعاني نقصاً في الأموال، بل تفتقر إلى قنوات فعالة لتوظيفها. فمعدل الادخار الوطني يقترب من 43% من الناتج المحلي الإجمالي، أي أكثر من ضعف المعدل الأميركي البالغ نحو 18%.

وبلغت ثروة الأسر الصينية نحو 167 تريليون يوان، ما يعادل 24.6 تريليون دولار بنهاية عام 2025، إلا أن غالبية هذه الأموال تظل موجهة نحو العقارات والودائع المصرفية والمنتجات الاستثمارية المضمونة.

وقال المدير التنفيذي لمجموعة آسيا في الصين، هان شين لين، إن المستثمرين الأفراد لا يزالون يفضلون الأصول التقليدية على الاستثمار في الشركات الناشئة ورأس المال المخاطر.

وأوضح هو أن هذه المدخرات الضخمة تكشف عن "تخلف" نسبي في تطور النظام المالي، حيث لا يستطيع الصينيون الاستثمار بحرية في الخارج، بينما تراجعت جاذبية العقارات والأسهم المحلية، في وقت يواجه فيه مديرو الصناديق صعوبات متزايدة في جمع الأموال داخل السوق المحلية.

كما شددت هيئة تنظيم الأوراق المالية الصينية خلال العام الحالي الرقابة على تدفقات الأموال الخارجة نحو الأسواق الأجنبية، في إطار مساعي الحكومة للحفاظ على السيطرة على حركة رؤوس الأموال.

ورغم محاولات الصناديق الصينية جذب رؤوس أموال من الصناديق السيادية الخليجية، يرى هو أن حجم السيولة المتاحة في المنطقة يبقى أقل بكثير من السوق الأميركية، بل وأقل من المدخرات المحلية الصينية نفسها.

رهان على الإصلاح والذكاء الاصطناعي

ورغم انتقاداته للمنظومة المالية، أكد هو أنه لا يزال متفائلاً بمستقبل الاقتصاد الصيني ويؤمن باستمرار توجهات الإصلاح والانفتاح.

وأوضح أن شركة بريمافيرا تواصل الاستثمار في الصين، حتى في القطاعات الاستهلاكية التي تمر بفترة تباطؤ، مشيراً إلى أن تحقيق العوائد بات يعتمد بصورة أكبر على تحسين الكفاءة التشغيلية وضبط التكاليف بدلاً من انتظار انتعاش اقتصادي واسع.

وربط تعافي ثقة المستهلكين بعاملين رئيسيين: قدرة خريجي الجامعات على إيجاد وظائف، واستقرار سوق العقارات بعد سنوات من الضغوط.

ودعا الحكومة إلى تعزيز الإنفاق الاستهلاكي عبر ثلاثة مسارات تشمل توفير سياسات أكثر استقراراً وشفافية للقطاع الخاص، وتوسيع شبكة الأمان الاجتماعي، وإعادة بناء سوق الائتمان الاستهلاكي الذي تعرض لقيود تنظيمية خلال السنوات الماضية.

وفي الوقت نفسه، تواصل بريمافيرا ضخ استثماراتها في الذكاء الاصطناعي عبر مطوري النماذج اللغوية الضخمة، والروبوتات والأتمتة، والبنية التحتية للطاقة، بما في ذلك مشروعات الرياح وتخزين الطاقة اللازمة لتشغيل مراكز البيانات.

كما تراهن الشركة على توظيف الذكاء الاصطناعي لتطوير قطاعات تقليدية مثل الرعاية الصحية والتعليم والتصنيع، معتبرة أن القيمة الحقيقية للتكنولوجيا ستظهر من خلال رفع كفاءة الاقتصاد القائم، وليس فقط عبر إنشاء شركات تقنية جديدة.

انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.