الاقتصاد في الصرف واستغلال الزبون

محمد العباس
محمد العباس
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

الفندق في الحياة العصرية ليس مجرد ممر للعبور من مكان إلى آخر. بل هو بمثابة البيت الثاني، خصوصاً لأولئك الذين يقضون جزءاً غير يسير من أيامهم في حالة من التنقّل والسفر لأسباب سياحية أو عملية. حيث كان الفندق في يوم من الأيام محلاً لفئة محدودة جداً. أما اليوم فهو جزء لا يتجزأ من احتياجات فئة كبيرة جداً من الناس. وهو الأمر الذي أسس لصناعة الفندقة بهذا الشكل الذي نراه من ناحية الكثرة والفخامة والتنوع.

وقد جرت مجموعة من التحولات على الصناعة الفندقية، تبدو ظاهرياً في صالح الزبون، إلا أنها في واقع الأمر تعمل ضده. حيث زادت إجراءات الأمن والسلامة. وارتفع منسوب النظافة والمتانة. كما صارت الفنادق من الوفرة والتنوع بحيث تلبي حاجات المتنقلين بسهولة ويسر. إلا أن كل ذلك جاء على حساب جيب الزبون، فيما يشبه السرقة العلنية. فكل خدمة توفرها الفنادق مهما كانت صغيرة تقابلها قيمة مادية. وهو حق، إلا أن هذه الخدمة لا تخضع لمعايير الضيافة بقدر ما تمليها الرغبة في استغلال حاجة المسافرين.

قبل عقود كان بمقدور الزبون أن يصل إلى فندقه المنشود في أي وقت ليجد غرفته جاهزة. وبإمكانه مغادرة الغرفة في أخر يوم له بعد الظهر بساعات، بدون أي رسوم إضافية. أما اليوم فلا تسمح الفنادق له بدخول الغرفة قبل الثانية عشرة ظهراً. وقد تمادى بعض الشركات الفندقية لتشترط عليه عدم القدوم قبل الثانية بعد الظهر. وفي بعض الفنادق المخصصة للسياحة الدينية لا يمكنه استلام غرفته قبل السادسة مساء. وكل ذلك الوقت المستقطع من حقه. وإذا أراد الدخول قبل هذا الوقت فإنه يجبر على دفع مبلغ من المال يعادل قيمة إيجار الغرفة لنصف يوم. أما مغادرته غرفته فهي عملية أشبه ما تكون بالطرد. إذ توجه إليه تعليمات بضرورة إخلاء الغرفة عند تمام الحادية عشرة صباحاً.

وهذا مجرد مثال لما يمكن أن يتعرض له مرتادو الفنادق هذه الأيام. إذ تتفنن إدارات الشركات الفندقية في استحلاب محفظته. فاستبدال المناشف، وموقف السيارات بثمن، والواي فاي بثمن، حتى وصل الأمر ببعض الفنادق إلى اعتبار تنظيف الغرفة ورمي المخلفات وحمل الحقائب ليس من مهمات الفندق. وإذا أراد الزبون من الفندق هذه الخدمة لا بد أن يدفع ثمنها. الأمر الذي يرفع قيمة الفاتورة ويجعل من الفندق محلاً للنكد والمفاوضات المستمرة على سوء الخدمة وقلة العمالة أو رداءتها.

وكل ذلك يمكن استيعابه والتعامل معه. حيث أصبحت معيارية الفندق تقوم على الإقتصاد في الصرف واستغلال الزبون إلى أبعد حد ممكن. وفي هذه الحالة يمكن له - أي للزبون - أن يتكيف مع تواضع مستوى الخدمات أو انعدامها، وقلة عدد الكادر الذي يعمل في الفندق، والإحتيال الذي تجيد تدبيره إدارة الفندق لاستغفاله ومضاعفة فاتورته. إلا أن الأمر الذي يقتل حميمية الفندق اليوم هو شكل التعامل الذي يؤديه معظم العاملين فيه. ففي السابق كان بمقدور الزبون أن يقف مع موظف الاستقبال لدقائق وهو يسلّمه مفتاح الغرفة أو يسلّمه له. ويتبادل معه طرفه، أو يسأله عن الكيفية التي يقول بها ( صباح الخير ) بلغة البلد. أما اليوم فلا وقت لدى هذا الموظف أو ذاك. فكلهم منهمكون في العمل ولا يمتلكون حتى الفرصة للتبسُّم في وجوه الزبائن.

اليوم لا مفاتيح يمكن أن يسلّمها الزبون إلى موظف الاستقبال، فهو يحمل بطاقة ممغنطة تعفيه من التواصل مع أي موظف. كما أنه لا يحتاج إلى أن يودع جوازه أو بعض أمواله في صندوق الأمانات، لأن غرفته مزودة بخزينة شخصية. ومن باب التنويع لا يتناول العشاء في فندقه، ولا يحتاج إلى خدمات ( كونسيرج ) الفندق لأن الانترنت تتيح له الوصول إلى أي معلومة أو خدمة يرغبها. ومؤخراً بدأ بعض الفنادق تتخلى عن موظف الاستقبال في بعض الأوقات، وأحلت محله ماكينة شبيهة بمكائن الصرف الآلي، يمكن للزبون من خلالها إدخال معلوماته وتسديد قيمة الغرفة والحصول على ( كارت ) الدخول إلى الغرفة، بدون أن يضطر للتعامل مع أي كائن بشري.

هكذا فقدت الفنادق حميميتها، وصارت مجرد علب للنوم، وتلك نتيجة طبيعية للحداثة الفائقة من ناحية، وإصرار الشركات الفندقية على التعامل مع الزبائن كمحافظ محشوة بالمال الزائد عن الحاجة. إذ لا تترك هذه الفنادق الفخمة الشرِّهة بصمتها على الكائن البشري مهما تمادت في أناقتها، ولا تسمح له بأن يحن إليها. فهي فنادق بلا قلب ولا ذاكرة ولا حميمية. ومن يضطر للسكن فيها يكون مجرد عابر لا يعنيه من أمرها أي شيء.

*نقلاً عن صحيفة "اليوم" السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.