.
.
.
.

بكلمات تدمي القلب.. جراح سوداني يبكي رحيل ابنه الشاب بكورونا

نشر في: آخر تحديث:

الأب جراح عظام منذ أكثر من 40 عاماً، والابن جراح قلب في بداية مشوار مهني حافل بالتفوق المبكر قبل أن يكون ابنا بارا به كان صديقا حميما له، جمعهما عالم الجراحة القاسي، وفي سنوات قليلة حقق الابن كل أحلام والده في الطب وصار امتدادا له.

شق الابن طريقه بنجاح، وفي سنوات قليلة تحول إلى جراح قلب لامع في مستشفى فكتوريا الملكي في بلفاست بشمال أيرلندا، ولكن لم يخطر ببال الأب أن ابنه المحبوب وصديقه المقرب سوف يواجه الأجل المحتوم بفيروس كورونا ويقبر حتى من غير أن يلقي عليه النظرة الأخيرة.

قصة الطبيب السوداني مهند الضاوي نوار، الذي ولد وترعرع في جنوب كردفان بالسودان، سوف تبقى لسنوات طويلة واحدة من أكثر القصص مأساوية لوباء كورونا، وعلامة حزينة لفراق الأحبة فجأة في زمن جائحة ضربت العالم وحولته إلى بيت عزاء كبير من غير معزين، حيث يبكي كل مكلوم في عزلته بعيداً عن جسد من يحبه الذي يغيب إلى الأبد.

القصة بدأت عندما شعر مهند في أواخر مارس الماضي بأعراض كورونا فعزل نفسه ذاتيا، ورغم أن عمره يبلغ 36 عاما فقد خسر معركته مع الفيروس في أواخر أبريل، وعندما جاء الخبر إلى أبيه كان يخوض معركة إنقاذ شابين من حادث أليم في أحد المستشفيات بالسعودية.

يقول الأب عن هذه اللحظة في خطابه الذي نعى به ابنه النابض بالحيوية "كنت في المستشفى لإسعاف مصابي حادث هما ابنان لصديق، رن جوالي والاتصال كان من أيرلندا، لم أستطع الرد عليه، لكن الهاتف لم يتوقف، ولأن مهند ما زال يعاني من الأعراض، وجدت فرصة من بين زحمة الانشغال بإسعاف المصابين لأتلقى المكالمة، ويا لهول ما تلقيت، تنمّل جسدي ولم أدرك لحظتها هل أنا إنسان أم آلة، فأمامي أرواح آدمية على المحك، ينبغي إن بقي معي عقل أن يكون لها، لكن ضاع الزمن، لم أدرك كم من الوقت مضى، أكملت إسعاف المصابين (وتلك يا سادتي هي حياة الطبيب، لا يهم إن كان مريضاً أو حزينًا أو مفجوعاً، فأمامه واجب عليه أن يؤديه".

 الطبيب السوداني مهند الضاوي نوار
الطبيب السوداني مهند الضاوي نوار

لكن بعد غياب عقل الطبيب الجراح سقط في هوة حزن سوداء، ويتابع والد مهند "صرت أنا لست أنا، مجرد مسخ يغلبه المشي، يحاول جاهداً أن يضع قدماً أمام الأخرى تحاشيا للسقوط، لم أصدق أني وصلت السيارة، لكن تبقى التفاصيل الصغيرة، فتح باب السيارة، والقيادة، كل الأشياء تبقى فوق القدرة، وكأن السيارة ستفلت مني وتصطدم بالمباني، بوابة السكن الداخلية أوسع من أربعة أمتار، كانت محنة كيف أقود من خلالها بل كيف أوقف السيارة، ثم الباب الخارجي للمنزل والباب الداخلي، وكيف أنقل الخبر لوالدته التي لم تصدق، ويا وجعها، كان حبيبها ورفيقها وروحها. كانت إذا عانت من أي شيء يحملها بين يديه ليضعها على الفراش، بل كان يحملها ويدور بها دون سبب فقط من باب المرح والاحتفاء، وكم من مرة حملني أنا على يديه أيضاً حين تنتابني آلام الظهر في وقت لا أحتاج لغير أن أتكئ عليه".

نوبة حزن لا تنتهي

كتب الطبيب رسالة صغيرة لأصدقائه ثم دخل في نوبة حزن فردية، حتى الحزن في زمن كورونا يبقى فرديا وفي ركن صامت من المنزل.

"تلقيت قبل قليل خبر وفاة ابني الكبير مهند في بلفاست، بدأ يعاني منذ أسبوعين، من أعراض نزلة برد ونصح بالحجز المنزلي، بعدها حجز نفسه بالبيت ورفض عمل فحص كورونا وأخبرنا بأنه يتحسن، منذ الأمس، انقطع اتصاله بنا، قبل قليل وصلني نبأ وفاته. أنا الآن في حالة لا توصف. لن أستطيع تقبل مكالمات، وأحتاج لأن أحزن وحدي".

يقول الوالد "كان صديقاً لي قبل أن يكون ابنا، ولا يمتعني شيء مثل الجلوس معه، تعلم المشي على يدي ثم ركوب الدراجة، تعلم قيادة السيارة وعمره ست سنوات، تعلم على يدي طلوع الأشجار وركوب الدواب، لم أكن أخشى عليه غير يوم مثل هذا".

وتابع وهو يرثي قطعه من قلبه "كان حلواً، كان لامعاً، كان مضيئاً، كان متميزاً في فصله، كان ممتعاً، كان موهوباً يعزف الجيتار، يلعب كرة السلة، كان بطلاً فى السباحة، كان كريماً، كان متواضعاً حتى الأرض، كان شجاعاً".

قطعت قلبي وكسرت ظهري

كما قال الأب في خطابه "اجتهد مهند لدخول الجامعة بالقبول العام، وتخرج فخوراً من جامعة الجزيرة، حاولت إثناءه عن عالم الجراحة، فاجأني قبل دخول فترة الامتياز بالنجاح في الجزء الأول من امتحان زمالة الجراحة، ونجح في الجزء الثاني بعد إكمال الامتياز مباشرة، كنت متردداً في ذهابه لأوروبا، لكنه سافر ليقضي ستة أشهر في الجراحة العامة ثم جلس منافساً لعشرين متقدماً لجراحة القلب أغلبهم من الأيرلنديين، وفاز بالمقعد الوحيد، وظل أول الحاضرين وآخر المغادرين من المستشفى.. تمت ترقيته بسرعة، واختار موعده للجلوس للامتحان النهائي في أكتوبر القادم. عاد من الإجازة للعمل وكنا معه ودعانا لزيارة مستشفاه، على بوابة الدخول همس لأمه مازحاً أن أغمضي عينيك، كانت عودته تثلج صدر كل سوداني، ممرضين وممرضات، عمال، موظفين وزملائه نساء ورجالا، لم يسلم على أحد بيديه، بل تلقفوه عناقاً، سعدت يومها كسوداني".

ثم ينهي خطابه بتلك الجمل التي توجع القلب:

مالك يا مهند قطعت قلبي وكسرت ظهري؟

مالك يا مهند تركت لي أياماً وددت فيها أن أغمض عيني ولا أفتحهما مرة أخرى فلا سبيل للقياك غير ذات الدرب.

ولا أقول إلا "إنا لله وإنا إليه راجعون"، رحمك ربي رحمة واسعة يا مهند ورضي عليك.. فوق رضائنا عليك وبلا حدود.