.
.
.
.

المقهى الشعبي.. شريك الفن والأدب في مصر

كبار الأدباء والفنانين برزوا عبر "القهوة المصرية" واستقوا أعمالهم من على كراسيها

نشر في: آخر تحديث:

على مدى سنوات طويلة، اختلف شكل المقهى في مصر وإن ظل مضمونه واحداً. ففي العام 1499م حين مر الصوفي "أبو بكر" بالقاهرة، واكتشف فيها ثمار "البن" متخذاً منها طعاماً وشراباً، عرفت القاهرة منذ ذلك التاريخ "المقاهي"، وكانت مخصصة في حينها لتقديم القهوة ورواية السِّير الشعبية والقصص.

لعب المقهى دوراً رائداً في صناعة الموسيقى وإثراء الحياة الأدبية في مصر. وعندما جاء المطرب الكبير عبده الحامولي هاربا من والده من مدينة طنطا إلى القاهرة، لم يجد سوى قهوة "عثمان أغا" بحديقة الأزبكية، ليكوِّن فيها تخته الخاص، حتى ذاع صيته ووصل إلى الخديوي إسماعيل الذي أعجب به وألحقه بحاشيته. كما كان اللقاء يجمع بين الشيخ سلامة حجازي وسيد درويش في قهوة "شيبان" بجوار حلقة السمكة القديمة بالإسكندرية في العام 1911. عندها نصح سلامه حجازي درويش بالسفر إلى القاهرة للغناء على مسارحها، بعدما أعجب بصوته. وبالفعل غادر درويش إلى القاهرة حيث التقى القصبجي بمقهى "البوسفور" فجمعتهما صداقة متينة.

قصص أدبية واقعية

حتى إن بعض الأدباء لم تكن أقلامهم تسيل، إلا على كرسي المقهى. ولعل المثال الأبرز على ذلك هو الأديب العالمي نجيب محفوظ، الذي شكل المقهى جزءا كبيرا من تاريخه. فكانت بدايته مع مقهى "الفيشاوي" بمنطقة خان الخليلي، التي استقى من خلال قصصه مع أصدقائه الثلاثية التي كتبها وتم تحويلها إلى أفلام طبعت السينما المصرية. أما رحلته إلى مقهى "ريش" الذي تأسس في عام 1908، فكانت مثمرة، إذ كتب فيه رواية "اللص والكلاب". كما أن محفوظ كان يقيم جلسة نقاش أدبية مع شباب الأدباء كل جمعة في "ريش"، الذي كان من بين رواده أيضا عدد كبير من الأدباء والفنانين، وهو ما يتضح من الصور الموجودة بالمقهى ملحقة بإهداء من قبل صاحب الصورة. ومنها صور ليوسف وهبي، ونجيب الريحاني، ورياض السنباطي، وإسماعيل يس وعباس العقاد وطه حسين، وتوفيق الحكيم، وكذلك أنور وجدي وصلاح جاهين.

قبلة المغتربين

وشكل المقهى قبلة الأدباء النازحين إلى القاهرة من صعيد مصر. فكان الشاعر الكبير عبد الرحمن الأبنودي ويحيى طاهر عبد الله وأمل دنقل دائمي الحضور في المقاهي المصرية يستقون منها أعمالهم، بالإضافة إلى الروائيين والأدباء الجدد الذين يسيرون على خطى الكبار. وهكذا لم يختلف الأمر حتى وإن تغير مظهر المقهى بعض الشيء، فحل التلفاز بدلاً من الراديو الذي شكل زينة الأيام القديمة.