.
.
.
.

رحلة المئة قدم.. صراع الحضارات من خلال المطبخ

نشر في: آخر تحديث:

هل يمكن أن نتصور أن الصراع بين الحضارات والثقافات يمكن أن يذهب إلى المطبخ؟ من خلال ذلك السؤال المحوري يأتى اشتغال الروائي ريشارد مورايس فى روايته التي حملت عنوان "رحلة المئة قدم" والتي حققت أعلى المبيعات، لتتحول اليوم إلى عمل سينمائي سيدهش العالم بحرفيته والمضامين التي يؤكد عليها ويعمل على ترسيخها.

ونتساءل أيضا: ماذا يعني حينما تجتمع هذه الأسماء الكبيرة دفعة واحدة، حيث ستيفن سبيلبرغ وأوبرا وينفري ولاس هالستروم والنجمة البريطانية القديرة هيلين ميرين، وقبل كل هذا وذاك الروائي ريتشارد مورايس وتحفته "رحلة المئة قدم"، هذا يعني أننا أمام فريق عمل تعاون لتحقيق عمل سينمائي سيظل حاضرا في ذاكرة الحرفة السينمائية، تحفة نادرة، وقيمة إبداعية عالية.

حوار الحضارات، وصراع الحضارات والثقافات، من خلال حكاية تبدو للوهلة الأولى بسيطة، وسرعان ما نكتشف دلالاتها ومضامينها وقيمها الكبرى.

حكاية تتمحور حول المطبخ والأكل، ولكنها في حقيقة الأمر تذهب إلى القيم العالية والعمق الحضاري، في حوار يعتمد احترام الآخر والاحتفاء به والبحث عن الكمال في الذوق والتذوق.

دعونا نذهب معاً إلى حكاية الفيلم الذي يعتمد أصلا على نص روائي، حقق أعلى المبيعات، بعنوان "رحلة المئة قدم" تأليف ريتشارد مورايس، حول حكاية الشاب الطباخ حسن كاظم الذي يجسده مانيش دايال، الذي يتصف بتقديم أعلى درجات التكامل في الوصفات أو الوجبات التي يقدمها، تعصف به الأيام وبأسرته في الهند، حيث يضطر للهجرة إلى فرنسا مع أسرته بقيادة والده بابا كاظم "اوم بوري". وبعد رحلة وألم ومعاناة، تستقر به الأمور في بلده سان انتوني "نوبل" في جنوب فرنسا.

مدينة ساحرة خلابة وأنيقة، حيث يجد الأب فيها المكان المثالي ليستقر مع ابنه الطباخ الماهر وأسرته والعمل على فتح مطعم هندي. وتبدأ المحاولات حتى يصلا إلى افتتاح مطعمهما - بيت بومباي - ليكتشف أن أمامهما مباشرة وعلى بعد مئة قدم فقط يستقر مطعم بقيادة طباخة فرنسية ماهرة، تحمل نجمة ميشلان في الطبخ، وهي وسام رفيع يمنح لأمهر الطباخين الذين يرسخون قيم التذوق العالية، والمطعم بقيادة السيدة مالوري، تقدم الشخصية النجمة البريطانية هيلين ميرين، الحاصلة على الأوسكار كأفضل ممثلة عن فيلم "الملكة"، وهي تمثل هنا بلكنة فرنسية مذهلة، هذا عدا أدائها العالي للشخصية.

وتبدأ المواجهات والصراع الخفي بين مطعمين وذوقين وحضارتين وثقافتين. للوهلة الأولى نعتقد أننا سنكون أمام حرب طاحنة، ستدمر الطرفين، ولكن هنالك شيء ما أبعد وأعمق في هذا الفيلم يذهب إلى تطوير الحوار وأيضا الاختلاف عبر عدد من الشخصيات، سواء من تلك التي تحيط بمدام مالوري أو بابا كاظم، الذي يرى في ابنه ومطبخه أهم طاهٍ، وأهم نكهة ومطبخ. ويحاول الطباخ الشاب حسن كاظم أن يمد جسور التواصل عبر مساعدي مدام مالوري، الذين تتطور معهم العلاقة بالذات الصبية الجميلة مارغريت - شارلوت لوبون.

تبدأ بعدها عملية تنسج السحر بين الثقافتين والمطبخين والمطعمين والطباخين، نقلة تعتمد احترام الآخر واستيعابه واكتشافه.

تحويل الحروب إلى حوار

ومن هنا تأتي أهمية العمل الروائي، وأيضا الفيلم الذي يحول الصراع والمواجهة والحروب الطاحنة المدمرة إلى حوار، واستيعاب وتكامل، لبلوغ مرحلة جديدة من الذوق والتذوق، حيث تضيف لمسات وبهارات هذا الشاب الهندي ذوقا إضافيا وبعدا جديدا للطعم الذي تشتهر به المائدة الفرنسية.

فيلم غير تقليدي وغير اعتيادي، بل هو في الحقيقة تحفة سينمائية تجعلك تعتقد أنك تشم طعم الأكل وتلك الوجبات، وتتذوق طعمها المقرون بالإبداع والتكامل. فيلم يختصر الحوار بين الثقافات في المطبخين الفرنسي والهندي بكل تباينهما وعظمتهما وتفردهما.

نذهب إلى سينما تدهشنا بحكايتها ونصها الروائي الثري، وبهذا الازدحام للمبدعين، على صعيد التمثيل أو بقية الحرفيات الفنية، ليتعاونوا في تنافس وتعاون هو الآخر اختصار للتعاون بين الثقافات فيها لربما هو الأهم حتى الآن في عام 2014، وسيكون بجدارة أحد أهم المتنافسين على الأوسكار في العام المقبل.

فريق العمل

أما مخرج هذا العمل فهو السويدي القدير لاس هالستروم، من مواليد 2 يونيو 1946 في ستوكهولم - عاصمة السويد، قدم للسينما مجموعة من التحف التي ترتبط بشكل أو بآخر بموضوعات الأكل، منها التحفة المهمة، شكولاتة عام 2000.، وماذا يأكل جلبرت جراب عام 1993، وقوانين منزل العصائر 1999، إضافة لكمٍ آخر من الأعمال السينمائية التي تذهب بعيدا في طروحاتها ومضامينها.

أما كاتب السيناريو فالسيناريست ستيفن نايت. وفي دور مدام مالوري، تطل علينا النجمة المقتدرة هيلين ميرين التي تعتبر واحدة من سيدات السينما والمسرح البريطاني، ومن أبرز أعمالها "الملكة" 2006، إضافة لقائمة طويلة من الأعمال التي رسختها كواحدة من أهم نجمات التمثيل.

ويقدم الممثل مانيش دايال شخصية الطباخ الشاب حسن كاظم، وهو من مواليد 1983 جنوب كاليفورنيا، وشاهدناه في أعمال عدة أميركية، منها "بريكنج ذا جيرل" 2013. و"اكلك اواي" 2010. أما بدور الأب فهناك الممثل الهندي أوم بوري، وله مشاركات عدة في السينما العالمية، ومن أبرز أعماله فيلما "غاندي -1982" و"الغرب هو الغرب" 1999.

خلف هذا العمل أيضا الموسيقار الهندي العبقري "اي. ار. رحمان" الذي يعتبر اليوم من أهم صناع الموسيقى التصويرية في العالم.

أما التصوير فقد أداره مدير التصوير لينس ساندجرتي الذي شاهدنا له في العام الماضي فيلم "اميركان هوستل"