.
.
.
.

ألاقي زيك فين يا علي.. ألم فلسطيني على المسرح

نشر في: آخر تحديث:

كانت المرة الأولى التي شعرت بها "رائدة" باليتم، لم يشفع لها أنها السكرتيرة الصحفية للرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات من التعرض لمحاولة اعتداء جنسي من قبل شخص يفترض أنه صاحب منصب رفيع في قيادة منظمة التحرير الفلسطينية.
تروي رائدة كيف هجم على غرفتها وكيف صرخت بأعلى صوتها حتى هرب المعتدي. ترددت قبل أن تروي لـ "أبو عمار" ما الذي حصل، وعندما "عرف الختيار انتقم لي على طريقته"، إلا أن لحظة الاعتداء تلك كانت لحظة مفصلية غيرت حياتها، في تلك اللحظة افتقدت الأب، الأب الحقيقي.

من تلك اللحظة تبدأ رائدة طه، ابنه علي طه الذي خطف طائرة متجهة إلى تل أبيب، تروي لجمهور مسرح بابل في بيروت قصتها بعنوان "ألاقي زيك فين يا علي". فقد كان علي طه قائد مجموعة "وليم نصار" التي تنتمي لمنظمة أيلول الأسود، الذي اختطف مع 3 من رفاقه عام 1972 طائرة سابينا البلجيكية التي كانت متجهة من فيينا إلى مطار اللّد في تل ابيب، عملية الخطف هذه كان الهدف منها الافراج عن أسرى فلسطينيين لكنها انتهت بمقتل "علي" ورفيقه عبد الرؤوف الأطرش واعتقال "تيريز هلسة" و"ريما عيسى" اللتان شاركتا بالعملية.

تمر على خلفية المسرح بعض الصور والأصوات التي تساعد رائدة في راوية قصتها، الجمهور في الصالة الممتلئة أنصت واستمع الى الشخصيات المتعددة التي أدتها طه. ورغم أن الممثلة المنفردة تروي قصتها الحقيقية إلا أنها أدت أكثر من شخصية بإتقان واحتراف، فتارة كانت تتحدث بلسان والدتها وطوراً بلسان صديق الوالد، واسترجعت مشاهد مرت قبل عقود استرجعت فيها لحظات اليتم والوحدة.

تعود بذاكرتها الى يوم سألت مدير المدرسة: " أستاذ شو يعني شهيد؟" فقال لها " الشهيد هو الشخص الذي يموت فداءً لأكثر شيء يحبه" فتساءلت رائدة: "يعني بابا بيحب فلسطين أكتر مني!"، واحد من الأسئلة الكثيرة التي طرحت في المسرحية المقدمة على مسرح بابل في بيروت.

دموع تتخللها ضحكات كثيرة

خلال العرض لم تفارق الدمعة عيني رويدة، احدى مشاهدات المسرحية، دموع تتخللها ضحكات كثيرة. وبالفعل اعتمدت رائدة والمخرجة لينا أبيض الأسلوب المضحك المبكي، فأضافت إلى كل حدث مؤثر وحزين في العمل تفاصيل بسيطة أضاءت عليها بأسلوب كوميدي، وذلك "لإبعاد الرتابة عن العمل وكي لا يكون العمل عاطفياً بحتاً، خاصة أن الشخصية المسرحية هي نفسها الشخصية الواقعية التي تعيد تركيب ذاكرتها على المسرح" وهذا ما يميّز العمل بحسب المخرجة لينا أبيض عن باقي الأعمال المسرحية.

وبالرغم من أن رائدة لا تأتي من خلفية مسرحية وهي تشارك لينا بأداء أدوار مسرحية منذ سنوات قليلة، إلا أنها استطاعت أن تبرهن جدارتها خاصة أن معظم الأعمال التي شاركت فيها مع لينا كانت متعلقة بالقضية الفلسطينية كمسرحية "عائد إلى حيفا" عن رواية غسان كنفاني.
في الجزء الثاني من المسرحية تبرز شخصية جديدة وهي شقيقة علي طه "سهيلة" التي تعيش بين القدس والخليل، بأداء سلس ومقنع وفكاهي بعض الشيء، تتقمص رائدة شخصية عمتها التي لم تستطع أن تلتحف طوال سنتين، حتى أيام الصقيع، بعد أن علمت ان جثة اخيها "علي" لا تزال في براد الموتى عند الإسرائيليين.

تأخذ شخصية سهيلة حيزاً مهما وتصاعدا دراميا في العمل. تروي رائدة من خلال شخصية عمتها كيف تحدّت تلك المرأة الصلبة الجميع لإعادة جثمان أخيها إلى أرض فلسطين. فحتى لا يبقى عند الإسرائيليين، ذهبت سهيلة، عندما علمت سهيلة ان وزير الخارجية الأميركي آنذاك هنري كسنجر موجود في القدس، إلى السفارة الأميركية ثم تبعته إلى الفندق حيث يقيم وتسللت إلى الغرف بعد أن منعها الموظفون المسؤولون عن حماية كسنجر من الصعود، وأبت إلا أن تسلم رسالتها إلى كسنجر باليد وتطلب منه الافراج عن جثة أخيها من البرادات، وفي اليوم نفسه أتى احد أشقائها ليخبرها أنه تلقى رسالة تطلب من العائلة تسلم جثمانه.

في اليوم التالي وبعد دفن شقيقها شعرت سهيلة ببرد العامين يجتاحها، وتغطت للمرة الأولى مع أنها كانت أيام صيف.

سنتين من التحضير

تأتي مسرحية "الاقي زيك فين يا على" بعد سنوات من الصداقة التي جمعت لينا أبيض ورائدة طه. كانت رائدة تحدث لينا كثيرا عن والدها وقصصهم، وكانت الأخيرة تتخيل الاحداث في قالب مسرحي، إلى أن بدأتا العمل الجدي منذ عامين بجمع أكبر عدد من المعلومات والوثائق خاصة من عمتها ووالدتها، وانتقاء القصص التي سيشملها العرض.

"أخذت الكثير من الوقت لأتصالح مع علي"

وفي جوابها عن سؤال لـ "العربية.نت" حول سر قدرتها على التماسك وتقديم مسألة عاطفية وحميمة جدا بهذا الشكل على المسرح تقول: "إنه الوقت والنضج والتجربة، أخذت الكثير من الوقت لأتصالح مع "علي" واسامحه، وذلك لكثرة حبي له، لم أستطع بالسابق ان احكي عن "علي" دون ان ابكي، واستطعت فقط بهذا العمر الحديث عنه بهذا الشكل...هو رجل رائع بكل المقاييس وبكل ما للكلمة من معنى".
أما عن سبب تسمية المسرحية ب "الاقي زيك فين يا علي" فتقول لينا ل "العربية.نت" انها فكرة شقيقة رائدة كما أن الاسم أعجب عمتها سهيلة، لذلك تم البقاء عليه، خاصة أنه عنوان ملفت لمسرحية تحمل هذا الموضوع.

وعن كون هذا العمل ليس الأول الذي تخرجه لينا أبيض ويتناول القضية الفلسطينية، تقول لينا إن القضية الفلسطينية هي مسألة حق، ولا يجب أن يضيع هذا الحق، وهي تحاول من خلال أعمالها المسرحية أن تحرك القضية في الجمهور وتخلق تفاعلا معها.

وتبدي ابيض سعادتها في نجاح هذا العمل حيث مددت عرضه لعدة أيام جراء الاقبال الكثيف، وتأمل بأن يعيد هذا النجاح الجمهور إلى المسرح بعد تقلصه في السنوات الأخيرة.