كتاب جديد في مصر ضد حقبة مبارك

نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
6 دقائق للقراءة

السؤال الكبير المطروح، في عنوان الكتاب (لماذا تفشل الأمم) تمت الإجابة عليه من خلال استعراض تاريخي مفصّل لاقتصادات الدول الأوروبية، والقارة الإفريقية، والقارة الجنوبية اللاتينية، وأيضا بالمرور السريع على أوضاع الشرق الأوسط، ومنها مصر، التي تعامل معها الكتاب عبر تقارير صحافية مختصرة، وماتناقلته وسائل الإعلام في الفترة التي رافقت وتلت ثورة 25 يناير.

ومع أن الكتاب قد بدأ في المقدمة، بسؤال يوحي كما لو أنه سيقدم عرضا تاريخيا محايدا للوضع الاقتصادي المصري، إلا أن المفاجأة كانت بإقحام القاهرة، في متن الكتاب، بدون تقارير معمّقة أو حتى تاريخية تسرد التطور الاقتصادي في مصر. مع أن الكتاب الذي صدر عن "الدار الدولية للاستثمارات الثقافية"، القاهرة، 2015 ، يزيد عن 600 صفحة من القطع الكبير. حتى بدا أن افتتاح الكتاب بسؤال: "لماذا ملأ المصريون ميدان التحرير للإطاحة بحسني مبارك؟" مجرّد تسويق إعلامي عبر الايحاء بأنه سيتعرض بالتفصيل لتاريخ الاقتصاد المصري أو السياسة المصرية الحديثة. بدليل أن كل الدراسات التاريخية المعمقة في الكتاب، الذي ألّفه الخبيران الدوليان في مجال التنمية، دارن اسيموجلو وجيمس أ. روبنسون، وترجمة بدران حامد، كانت تتعلق بالقارة الأفريقية والأوروبية وأميركا الشمالية وبعض أشهر دول أميركا اللاتينية. أما الوضع المصري فكان مجرد تقارير اخبارية صحافية، ظهر فيها تحيّز مؤلِّفَي الكتاب، بشكل واضح، لنظرة سياسية معينة تحمّل حقبة الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك كل أسباب الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها بلاده.


أسلفنا بأن المقدمة تعرضت لثورة 25 يناير المصرية، واستخدمها المؤلفان كمفتاح لفهم ظاهرة الفقر والازدهار. وهي المسألة الجوهرية التي يقوم عليها الكتاب بأكمله. وعلى أساسها تم طرح السؤال الكبير عنواناً: "لماذا تفشل الأمم". إلا أن القارئ الذي كان ينتظر من خبيري تنمية أن يقدّما له عرضا تاريخيا مفصلا للاقتصاد المصري، سيتفاجأ باللغة المتحيّزة التي تتخذ من حقبة الرئيس الأسبق، مبارك، مرجعية وحيدة لتفسير أزمة الاقتصاد المصري. إذ تبدأ المقدمة بالقول: "هاهو حسني مبارك، الذي كان يحكم مصر بقبضة حديدية على مدار ثلاثين عاماً تقريبا، تم خلعه في الحادي عشر من فبراير 2011". ص19. ثم يطرح سؤالا في الصفحة التالية: "لماذا تعد مصر أكثر فقراً بدرجة كبيرة من الولايات المتحدة؟". سيأتي الجواب على هذا السؤال، صاعقا، خصوصا من خبيري تنمية عرف عنهما التخصص في هذا المجال. لقد كان الجواب، بكل بساطة، منقولا على لسان متظاهر في ميدان التحرير يقول: "إننا نعاني من الفساد والظلم، ونعيش في ظل نظام فاسد يجب أن يتغير".. ثم يوجه السؤال لمتظاهر يبلغ من العمر 20 عاما، ويأتي الجواب شبيها بالأول. وللتذكير، لايزال قارئ الكتاب منتظرا تحليل وعرض الخبيرين الدوليين بالتنمية، ويبدو أن انتظاره سيطول الى مالانهاية.
بعد العرض الموجز والمسيّس، في شكل فاضح، يريح الخبيران الدوليان نفسيهما، ويختصران الوقت على القارئ المنتظر، ويؤكدان: "إننا سوف نتبنى في هذا الكتاب الفكرة التي ترى أن المصريين الموجودين في ميدان التحرير، يملكون الفكرة الصحيحة"! ص22 . مع أن القارئ لم يعرف ماهي "الفكرة الصحيحة" التي سيتبناها الخبيران الدوليان مؤلفا الكتاب، إلا أنهما يكملان المصادرة المسبقة بقولهما: "إننا سوف نوضح أن هذا التفسير المتعلق بظاهرة الفقر في مصر وهو يمثل تفسير الشعب". إن كان تفسير الشعب كافيا للأكاديمي والخبير الدولي بالتنمية، فلماذا تنكّب عناء دراسة الظاهرة وإقحامها في كتابه؟

بعد أن نترك المقدمة، وندخل في الصفحة 97 يأتي ذكر مصر أيام محمد علي، بأنها استطاعت في عهده: "أن تنطلق في مسار من التغير الاقتصادي السريع". وبعد انتظار طويل، وفي الصفحة 517 تحديدا، نأتي على الفقرة الأطول التي تتناول الشأن المصري الاقتصادي، وهي أقل من 5 صفحات، إلا أن الغريب اعتماد الكتاب على تقارير الصحافة وتجاهله للقضايا التي لا زالت بنظر القضاء المصري، وكذلك تركيز خبيري التنمية على فكرة "خلافة جمال" لأبيه في الحكم، وأنه سرعان "مافشل مخططه في الحكم" كذلك تأكيد الكتاب على ثروة مبارك ويقدرها بـ 70 مليار دولار، وهو الرقم الذي اتفق على نفيه حتى خصوم نظامه الذين استشعروا استحالة إقناع الرأي العام بحقيقة وجود مبلغ هائل كهذا. إلا أن خبيري التنمية يعتمدان الرقم، بدون أي دليل. واقتصار تقاريرهما على أدبيات الصراع السياسي ومارافقها من دعائية عالية من قبل كل الأطراف، يجعل صفتهما كخبيري تنمية دوليين، موضع شبهة واستفهام. خصوصا أنهما، وفي تناولهما اقتصاديات أوروبا وأميركا الشمالية وأميركا اللاتينية، استندا على دراسات وبحوث وتقارير اقتصادية متخصصة ودراسات تاريخية معمقة أخذت أكثر من 90% من الكتاب.

الكتاب يناقش قضية الفقر والازدهار، في دول العالم، من خلال معالجته لفرضيات اشتهرت في هذا المجال، ويقوم بدحضها واحدة تلو الأخرى، مثل فرضية الموقع الجغرافي للبلدان، وإذا ماكان سببا في تقويض خطط التنمية ومؤديا الى استحالة تحقيق الثراء والغنى ومتسببا بفقر هذه الدولة أو تلك. ويرفض المؤلفان أن يكون الموقع الجغرافي للبلدان سببا للفقر. ثم فرضية الثقافة، وإذا ماكانت ثقافة الشعوب تشكل عائقا بوجه التنمية والتطور الاقتصادي، أو أن ثقافة الشعوب تسهّل قبول الخطط الاقتصادية واحترام قيم العمل، كما درج في مايعرف بـ"الأخلاق البروتستانتية". وينتهي المؤلفان إلى أن هذه النظرية، مثلها كالنظرية القومية :" لاتؤدي الغرض المطلوب" ويستندان على "التفاوت في حالة الازدهار بين المستعمرات الانجليزية" لنفي دور "الميراث الانجليزي" كسبب في "نجاح وتفوق أميركا الشمالية".
الفرضية الثالثة التي يدحضها المؤلفان، والتي تعمل على تفسير فقر بلدان وغنى أخرى، هي فرضية الجهل، أي أن نخب وشعوب بلد ما تجهل الأساليب الفضلى للنهوض بالاقتصاد. ومع اعترافهما بأن هذه الفرضية "لازالت تتمتع بالمكانة العليا بين معظم علماء الاقتصاد" إلا أنهما يعتبرانها هي الأخرى "فرضية لاتصلح للقيام بالغرض المطلوب".

يحدد المؤلفان هدف كتابهما الذي يتوزع كل فقراته، وهو مايسمّيانه "المؤسسات الاستحواذية" التي بسببها "تفشل الأمم" ذلك أنها "تجعل البلدان الفقيرة تظل الفقيرة وتمنعها من النمو الاقتصادي". وأن المؤسسات الاستحواذية تعمل على إثراء نخبها هي على حساب الغالبية العظمى. ويشكل الكتاب في مجمله، نقدا سياسيا موظفا كل ضد غالبية أنظمة الحكم في افريقيا وأمريكا الجنوبية والشرق الأوسط والصين واقتصاد الاتحاد السوفييتي السابق والصين وكوريا الشمالية. ومع أنه يناقض كل نظريات علم الاقتصاد في العالم، إلا أنه لم يأت إلا بفرضية المؤسسات التي يعتبرها أصلا في التطور الاقتصادي. إلا أن الأهم، أن الكتاب انتهى في صفحته الـ 600 ولم نجد إجابة علمية متخصصة من خبيري التنمية لسؤالهما المدوّي في مقدمة الكتاب: لماذا ملأ المصريون ميدان التحرير للإطاحة بحسني مبارك؟!

انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.