.
.
.
.

دراما المستقبل.. الرؤية الغائبة عن المسلسلات السعودية

نشر في: آخر تحديث:

شكل غياب ما يعرف بـ"دراما المستقبل" عن الساحة السعودية والخليجية بالعموم، تباينا في آراء مختصين حول أسباب ودواعي هذا الغياب والندرة، فبعيدا عن دراما الخيال العلمي ظل السعوديون عاجزين عن تقديم رؤية درامية تتنبأ وتستقر وتناقش وضع المجتمع في المستقبل، ليظل ما يعرض من دراما يراوح مكانه ما بين الحاضر بمرارته والماضي بلقطاته، ليكون هذا الثنائي هو الواقع المفروض دائما، كضيف ثقيل وكئيب في كثير من الأحيان.

الممثل والمنتج حسن عسيري أوضح أن غياب "دراما المستقبل" مرتبط أولا بالنص باعتباره المحرك الأهم، ثم بتكاليف العملية الإنتاجية، مشيرا في حديثه لـ"العربية.نت" إلى أن تمثيل مضمون له علاقة بالمستقبل يحتاج إلى الكثير من التغيرات الإنتاجية، كصناعة الديكورات والشوارع والملابس الملائمة لتلك الحقبة، وهو ما يعني ارتفاعا في التكاليف، وهي المرتبطة بسوق الإعلان الذي يشكو منه أكثر المنتجين، حيث إنه يقدم أسعارا غير عادلة، تقف عائقا أمام إنتاج عمل بهذا الحجم.

وقال عسيري إن هناك ضعفاً في القدرة التسويقية على بيع الأعمال الدرامية إعلانيا، فمثلا عندما تشتري محطة مسلسلا تقدر تكلفة حلقته بـ100 ألف دولار، فإنها ستكون قد أنجزت إذا تمكنت من بيعه إعلانيا بزيادة 10%.

يذكر أن الدراما بالغرب يبلغ إنتاج الحلقة الواحدة مليون دولار، ومع ذلك تجد الكثير من الشركات متعطشة للدفع، لأنها تعلم أن الإعلان خلال هذا المسلسل أو ذاك سيحقق لها فرصا استثمارية بالانتشار أكثر. في هذا السياق، أضاف عسيري: "عندنا يمكن إنتاج حلقة واحدة، لكن الحديث عن دراما ثقيلة ومسلسل كامل، فهذا يحتاج لخطط إنتاجية ضخمة وتكاليف غير متوفرة حاليا".

نعيم تميم الحكيم، الكاتب والناقد الفني، أوضح أن غياب دراما المستقبل هو نتاج لضعف النصوص الدرامية التي تعاني من النمطية في الأفكار والتشابه والتكرار، مرجعا السبب إلى هشاشة البنية التحتية التي تدعم صناعة الدراما بالسعودية، كعدم وجود مؤسسة أكاديمية كمعهد عالٍ للفنون، وعدم تفعيل دور المسرح.

وأشار الحكيم في حديثه لـ"العربية.نت"، إلى أن المعهد والمسرح يعتبران المصنع الأساسي للكاتب والممثل والمخرج، وأضاف: "قد تكون الهموم اليومية للمواطن العربي أيضا سببا تدفع الكتاب لإهمال المستقبل والكتابة عن الواقع المليء بالقصص والحكايات".

ورأى نعيم أن هناك الكثير من المجالات للكتابة عن دراما المستقبل بعيدا عن الخيال العلمي، كالكتابة عن الواقع السياسي أو الاجتماعي الذي ستؤول إليه البلدان العربية مستقبلا، مثلا "سوريا أو اليمن بعد 100 سنة"، مشيرا إلى أن هذه الأعمال حتما ستقع بين رؤية إما متفائلة أو متشائمة.

وأضاف: "دراما المستقبل يمكن أيضا أن تتناول أحداث آخر الزمان، وبما أنه لدينا إرث ديني ونصوص ثابتة يمكن أن نستفيد منها إذا انتفت الموانع الشرعية". وتابع: "الشاهد أن هناك الكثير من الاتجاهات للكتابة عن دراما المستقبل، لكن تبقى هذه الرؤية حقلا شائكا محفوفا بالمحاذير ومليئا بالألغام".

من جانبه، قال إبراهيم كدشة، مخرج أفلام سينمائية، إن دراما من هذا النوع ربما لن تلقى قبولا واقتناعا من المشاهدين، مشيرا في حديثه لـ"العربية.نت" إلى وجود فوارق كبيرة بين طبيعة الشعبين العربي والغربي، "فالأخير شعب يعيش واقعه بين ناطحات السحاب ويعيش سنويا متعة الاكتشافات العلمية، أما الشعوب العربية فواقعها ما زال يعيش حياته في ظل أزمات في التعليم والصحة إلى آخر تلك الأزمات".

وأضاف: "فطبيعي ألا يتقبل الجمهور أي نظرة للمستقبل في ظل هذا الواقع المرير، فكيف له أن يصدق محتوى يتناول إنجازا فضائيا، في حين يرى الحكومات عاجزة عن توفير طرق مسفلته، إلا إذا كانت الدراما من باب التندر والسخرية من الواقع"، بحسب وصف كدشة.

تجدر الإشارة إلى أن هناك القليل جدا من المحاولات الخليجية التي اقتحمت مجال دراما المستقبل، من ضمنها حلقة بعنوان "كوكب المريخ" عرضت في الجزء الخامس من مسلسل "طاش ما طاش" وتناولت قصة شابين استطاعا من خلال جمع الخردة صناعة صاروخ طار بهم للقمر. وهناك أيضا حلقة بعنوان "ماذا لو" عرضت في الجزء الرابع من المسلسل السعودي "بيني وبينك" وتناولت بشكل سوداوي حال السعوديين بعد 50 سنة، حيث تحكي قصة سعودي وزوجته يذهبان لإندونيسيا للعمل هناك كعمالة منزلية. أما على المستوى العربي فهناك حلقة "فنتازيا" من مسلسل "مرايا" للمثل ياسر العظمة، والتي تناولت حال البلدان العربية بعد 500 سنة.