المحطة السابعة والأخيرة لجورج طرابيشي

نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

مقالٌ يحكي فيه عن تفاصيل محطات ست كانت وراء تكون المفكر جورج طرابيشي. والتي كانت كل محطة منها حكاية فكرية بحد ذاتها.

جورج طرابيشي المدين للمفكر محمد عابد الجابري حسب ما يخبرنا في محطته الخامسة مفكرٌ عربي خاض في تفاصيل العقل العربي المعقد فعاد مليئاً بالخفايا والتفاصيل المهمة التي يخبرنا بها في نتاج فكري مرموق تجعل من يقرؤها ذا نظرة مختلفة حيال الكثير من الأمور.

لست هنا بصدد الثناء على طرابيشي، فنتاجه الفكري كفيل بأن يقوم بذلك، ولكنني أستوقف نفسي كثيراً عند محطته الخامسة التي شكلت نقطة تحول في نمط جورج طرابيشي، وعن محطته الخامسة تلك تحدث عنها في مقاله مؤخراً كأنما يودعنا فيه.

في تلك المحطة المثيرة كالمحطات المتبقية من عمر طرابيشي يحدثنا عن علاقته بالمفكر الراحل محمد عابد الجابري، والذي كان لُب الإثارة في تلك المحطة المختلفة. فعند انتقاله من بيروت إلى باريس للعمل في مجلة الوحدة كان رفيقه من بين خمسة آلاف كتاب كتابان فقط، أحدهما كتاب (تكوين العقل العربي) لمحمد عابد الجابري. وكأن القدر يقول له: دع عنك كل ما في الخمسة آلاف، فالمرحلة القادمة ستكون انطلاقاً من هنا، في الخوض في العقل العربي وتشريحه على طريقتك. كتب بدايةً عن كتاب الجابري في مستهل مشواره أن من يقرؤه لا يعود كما كان من قبل، واصفاً إياه بأنه لا يثقف فحسب بل يغير. ويبدو أن الطرابيشي هنا وصف مرحلته المستقبلية مع هذا الكتاب الذي كان سبباً في تحول جورج طرابيشي. فقصته مع هذا الكتاب بدأت بدهشة وإعجاب شديدين، حتى صار يبحث في مصادر القضايا التي ناقشها هذا الكتاب، وعن موقف الجابري من إخوان الصفا تحديداً والذي وصفهم بأنهم (العقل المستقيل في الإسلام)، وانتهى بطرابيشي بنفي هذه التهمة من ذات المصدر نفسه الذي استند الجابري عليه في تهمته.

انتهى الأمر بالنسبة لطرابيشي آنذاك بأن يعقد صفقة مع نفسه، فقد خرج من هذه التجربة وقد أقسم بينه وبين نفسه ألا يقول شيئاً، ولا يصدر حكماً قبل التوثق من كل المعلومات التي بصدده.

ومن هنا وضع قاعدته وركيزته ونقده لذاته، فبدأ بنقد تجربته عندما يخبرنا عنها، فقد نقد طريقة جورج طرابيشي الأولى القائمة على التلقي السطحي ومعاملة كل ما يُتلقى وكأنه حقيقة لاشك فيها. ومن هنا كانت ثورته على العقل، والتي كانت تجربة فكرية عميقة.

كبيرة تجربة طرابيشي، ولو لم يكن من كل شيء سوى تجربته في محطته الخامسة، فهي من وجهة نظري قاعدة لتحرر العقل العربي برمته، وتوجيه صحيح لانطلاقة يؤمل عليها ويوثق بها.

وأختم باقتباس مؤثرٍ له من مقالته الأخيرة التي يقول فيها: «إن شللي عن الكتابة، أنا الذي لم أفعل شيئاً آخر في حياتي سوى أن أكتب، هو بمثابة موت. لكنه موت صغير على هامش ما قد يكونه الموت الكبير الذي هو موت الوطن». والآن كتب طرابيشي محطته الأخيرة فعلياً، وهي المحطة السابعة والتي اختار فيها المغادرة كلياً.

*نقلاً عن صحيفة "الرؤية"

انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.