.
.
.
.

"هاتف".. مجموعة قصصية جديدة للروائي السعودي محمد علوان

نشر في: آخر تحديث:

أصدر القاصّ والروائي السعودي، محمد علوان، مجموعته القصصية الجديدة التي تحمل عنوان "هاتف"، عن مؤسسة الانتشار العربي. تقع هذه المجموعة القصصية في 131 صفحة من القطع المتوسط، وتتكون من 21 قصة قصيرة، بالإضافة إلى مجموعة أخرى يبلغ عددها 16 قصة، عنون لها الكاتب بـ "قصص قصيرة جداً"، وهي أقرب إلى "الخواطر القصصية" - إن جاز التعبير - وذلك نظراً لقصرها الشديد، وقد تناول الروائي محمد علوان في هذه المجموعة عدة موضوعات، يتمثل أبرزها فيما يلي..

القرية

شغلت القرية وأهلها حيزاً كبيراً في هذه المجموعة، حيث تعد محوراً مهماً من أبعاد رؤيته الفنية وعقد مقارنات بينها وبين المدينة، معتمداً على "المفارقة الحضارية" بينهما. وقد وصف محمد علوان مجتمع القرية البسيط بكل مكوناته، من بيوت أهل القرية المبنية من الطين إلى انتشار الأغنام والدجاج والأرانب فيها، كما تناول طريقة كسب أهل القرية لأرزاقهم، ففي قصة "الديك" تطرق إلى هذه الملامح، وكيف أن جني التمر وبيعه في المدينة يعد مصدر الدخل القليل لأهل القرية.

وفي قصة "نافذة مغلقة" يتطرق علوان إلى أهل القرية ومسجدهم، ولا يقف عند هذا الحد بل نراه يتناول حتى رائحتهم، حيث يقول: "حين خرج أهل القرية من مسجدهم الصغير المليء بهم وبأنفاسهم ورائحة العرق التي تنضح من أجسامهم.. لم يتأفف منهم أحد فالرائحة واحدة مزيج من روائح الأرض والأعشاب والأشجار وأجساد الخراف والأبقار" (نافذة مغلقة، ص: 27).

وفي قصة "رائحة ثالثة" يتطرق لبعد آخر من أبعاد مجتمع القرية، وهو الحضور الطاغي للشخصيات القروية، ومعرفة الناس ببعضهم جيداً، حيث تناول شخصية جدته "مزيعة بنت علي" وحضورها الطاغي وحكمتها الريفية التي ينحني لها الرجال، حيث دائما ما يقولون عنها: "قالتها بنت علي"، (رائحة ثالثة، ص: 33)، وذلك تعقيباً على مقولة بنت علي: "أبطيت يا ذا الريع ما جاء معك ناس"، تلك المقولة التي بدأ بها القصة.

الأم

شخصية "الأم" وارتباطها بالأرض والقرية كان لها حضور طاغٍ أيضاً، فقد أبرز ملامح وقسمات وجه أمه، رابطاً التجاعيد والخطوط التي في وجهها بالقرية والأرض، فتناول حنوها وعطفها عليه، ولا تكاد تخلو قصة من هذه القصص من حديث عن الأم أو استدعاء لها أو ذكر صفة من صفاتها حتى بعد رحيلها.

فالأم في قصة "رائحة الهيل" مصدر رحمة له. دائماً ما تدعو له بالتوفيق والهداية وصلاح الحال، ورائحتها تمنحه الدفء. بعد رحيلها لم يَخْبُ حضورُها، بل استمر هذا الحضور مسيطراً عليه، كما لو أنها ما زالت على قيد الحياة، فنراه يناجيها في قبرها بلغة حانية عطوفة: "يمهْ. أبشرك. توظفت" (رائحة الهيل، ص: 61).

ومرة أخرى يطالعنا وجه الأم الندي بالدمع والحشرجات، بشكل مباشر، حيث جعل هذا الوجه عنوناً لإحدى القصص، وهي "وجه أمي"، وفيها مزج بشكل مباشر بين الأم والقرية، حيث يقول: "لا أعرف لماذا لا يبكي في قريتي إلا النساء، الدمع كان ومنذ البدء تعبيراً أخرس عن الرفض أو القبول.. هكذا قالت لي أمي التي ما زالت تبكي. أي تطهير إنساني عظيم لا يملكه إلا النساء"، (وجه أمي، ص: 88).

وفي الأخير الأم بالنسبة للقاصّ محمد علوان تعادل موضوعي للجنة، حيث يقول: "أعود إلى جنتها التي تمنحني الأمان"، (رائحة الهيل، ص: 54).

روح الفكاهة

لم تخلُ هذه المجموعة القصصية من الفكاهة والكوميديا، رغم تناولها للكثير من القضايا الفلسفية، كما في قصص "رمادية"، "لا أحد"، و"صمت الألوان" وغيرها، إلا أن الفكاهة كانت حاضرة بطابعها الريفي البسيط في هذه القصص.

ففي قصة "الراكب" يرسم لما محمد علوان شخصيتي "فائع" الطويل جدا وزوجته القصيرة وحمارته الضعيفة، التي تعاني من طوله وثقله عليها، حيث يقول عن فائع: "حين كان يعود من سوق الأحد، حيث تنمو الشمس كل يوم يعود منهكاً، ساقاه تكادان تلمسان الأرض وحمارته المثقلة بطوله تفتح فمها الواسع" (الراكب، ص: 65).

ولم تغب روح الفكاهة أيضاً حتى بعد أن مات "فائع"، وأقدم أهل القرية على غسله للمرة الأخيرة، حيث "صاحت زوجته وقد وضعت عصابة سوداء فوق المنديل الأصفر، صاحت بصوت هزّ أرجاء القرية.. عليكم وجه الله، لا تغسلوه بالماء البارد فهو لا يحبه" (الراكب، ص: 66).

لمحات أسلوبية

يلاحظ القارئ لهذه المجموعة أن الكاتب اعتمد على أسلوب "السرد"، حيث تواترت الأفعال الدالة على تعدد الأزمنة والتناوب بين الحاضر والماضي. وقد جاءت الجمل قصيرة وسريعة، والملاحظ أيضاً أن الكاتب قد استخدم بعض الجمل من الحياة اليومية؛ وذلك لإعطاء النص نوعا من الديناميكية والواقعية وسرعة تلقي القارئ له، مثل: "يا جماعة الخير.. القصة لم تنتهِ"، (امرأة ليست قبيحة، ص: 32). وفي حوار مع أمه بعد موتها قال: "يمهْ. أبشرك. توظفت" (رائحة الهيل، ص: 61). وعبارة "تعويم الليرة"، (الأصوات، ص: 50).

كذلك وظّف الكاتب أيضاً الاستعارات والصور المركبة في هذه المجموعة القصصية، أذكر ما جاء في قوله: "الدمعة الصامتة تفرد جناحيها وترفرف على الجميع، والعربة مكتظة بصمت أخاذ"، (هاتف، ص: 46).

كما صور كبر سنّ أمه بقوله: "يبوح وجهُها الذي نبتتْ عليه التجاعيد"، (رائحة الهيل، ص: 54)، وقوله عنها أيضا: "أنبأتني تجاعيدُها بكذب ما قلت دون أن تبوح بكلمة" (رائحة الهيل، ص: 54). وأيضا: "وجهها الذي يورق شجراً وحزناً وتجاعيد"، (رائحة الهيل، ص:58).

تعليقات نقدية

وردت بعض التعليقات النقدية على هذه المجموعة القصصية، وقد أوردها الناشر على غلافها، أذكرها هنا بترتيبها الواردة به، حيث يقول الدكتور سعد البازعي "يلتقي محمد علوان مع الحداثة في أكثر تياراتها اتساعاً لكن دون أن يفقد – وهذا مهم جداً – خصوصيته الثقافية أو الذاتية".

ويقول الدكتور منصور الحازمي "محمد علوان ابن القرية يكتب عنها.. عن تجربة وحب وصدق.. والقرية في الجنوب تختلف في طبيعتها الغنية ومناظرها الخلابة عن أيه قرية أخرى".

أما الدكتور حسن النعمي، فيقول "قصص القاصّ السعودي محمد علوان تمثل أحدث النماذج التي رسمتها القصة القصيرة، والنموذج الحديث هذا يتسم بجرأة المواضيع التي يعالجها وطرافة الأسلوب السردي".

محمد علوان
محمد علوان