.
.
.
.

لماذا تعرّض المطربون الشعبيون السعوديون للتهميش؟

نشر في: آخر تحديث:

رغم تطور الأغنية وأدواتها الموسيقية، وعولمتها بين الألحان الشرقية والغربية، يظل للأغنية الشعبية العتيقة في السعودية عبقها وجمهورها ومهرجاناتها، ولم تفقد بريقها من الوسط الذي بات يتحسس من مفردة "شعبي"، ورغم غياب رواد هذا الفن الذي يستمد ألحانه من البيئة والمكان بتفاصيله الصغيرة، إلا أن هناك فئة من الجماهير لازالت تعشق هذا اللون وعلى رأس أولوياتها الفنية أغاني بشير شنان، وعيسى وطاهر الأحسائي، وفهد بن سعيد وحمد الطيار، وغيرهم من الرعيل الأول الذي ذاع صيته في مراحل البدايات وشكل وجدان المستمع المحلي الذي تأسست ثقافته السمعية على الأغاني القادمة من الإذاعات أو عن طريق اسطوانات "البيكم"..

في البداية تحدث لـ"العربية.نت" الناقد الفني عبدالرحمن الناصر وأوضح أن الأغنية الشعبية تتصدر المشهد من بداية الثمانينات إلى منتصفها، وكانت أغاني طلال مداح ومحمد عبده في تلك الفترة باللون الشعبي، وقال: "كان هناك فنانون آخرون يتصدرون المشهد مثل عيسى الأحسائي الذي أعتبره رمز الأغنية الشعبية إضافة إلى الفنان الأسطوري بشير حمد شنان".

واستطرد الناصر: "خذ على سبيل المثال بشير حمد شنان فأنا عندما أقول أسطوري فأنا أعي ما أعنيه، نظراً لأن بشير عاش في الوسط الفني 7 أعوام فقط، ومازالت أغانيه خالدة إلى اليوم"، وتابع: "بشير هو الفنان الوحيد الذي قدم لنا ديموغرافية الرياض، وعرفنا سكان حواريها من خلال أغنياته، عندما غنى عن حي "منفوحة" كان غناؤه بلون دوسري، مما يثبت أن سكانها "دواسر"، وعندما غنى عن الشميسي كان يغني بالبحر العريض (عارضي)، وحتى شارع الخزان قدمه بشكل مختلف واستخدم مفردات تبين أن سكان المكان من الإخوة العرب باستخدام كلمة "الأوضة" التي لم تكن منتشرة على نطاق واسع".

وحمّل الناصر الإعلام الرسمي مسؤولية ما وصفه ببعثرة الأغنية الشعبية والموروث، وسمحت بطريقة غير مباشرة لضعاف النفوس من الفنانين بالسطو على هذا الإرث الحضاري الكبير، وقال بصوت عال: "هناك فنانون سرقوا أغاني بشير شنان وسلامة العبدالله وحمد الطيار، وأعادوا توزيعها موسيقياً. الإعلام الرسمي يجب أن يحافظ على قيمة وحضارة الشعب السعودي، لأن الأمم تنظر إليك من خلال فنك".

وذكر الناصر بأسى أن الأرشيف الفني للأغنية الشعبية السعودية كله تم سحبه وتسجيله في قطر، متسائلاً عن سبب غياب المؤسسة الثقافية الرسمية في المملكة عن توثيق وحفظ هذا الموروث وحفظ حقوق الفنانين، وقال بعد أن أطلق تنهيدة عميقة: "الفنان بشير حمد شنان له حوار وحيد في حياته لأنه مات في عمر مبكر (28) عاماً، وهذا الحوار الإذاعي أجراه معه الأستاذ طارق عبدالحكيم وللأسف إنه في العام (2004) تم إتلافه بحجج واهية وغير منطقية دون تقدير لهذا الكنز، ومر ذلك مرور الكرام".

لافتاً إلى أن الإعلام المؤسساتي الخاص مثل الصحف أيضاً ملقاة على عاتقه مسؤولية كبيرة، مبيناً أن الصحافة السعودية عند نشأتها لم يكن فيها صحافة فنية، وعندما نشأت على استحياء كانت في الحجاز وتهتم بالمسرح في جدة، وقال: "الصحافة الفنية في بداياتها كان المسؤولون عنها أجانب سلطوا الضوء على جدة متناسين الفنون في الشرقية ونجد، وكان جل طرحهم عن طارق عبدالحكيم وعبدالله محمد وطلال مداح"، وتابع: "عندما بدأت الصفحات الفنية تظهر في صحف منطقة الرياض سار مسؤولو الأقسام الفنية على نفس النهج متجاهلين نجد ووجود فنانين عمالقة فيها مثل أبو سعود الحمادي وعبدالله السلوم مؤسس أول فرقة موسيقية في نجد في الخمسينات وقدما مجموعة من الأغاني الاجتماعية والعاطفية".

الوادي الأخضر

من الصعوبة بمكان الحديث عن الأغنية الشعبية دون التطرق لتسجيلات "الوادي الأخضر" التي أسسها الشاعر والمنتج الغنائي علي القحطاني العراب الأشهر للأغنية الشعبية السعودية في الستينات بالكويت وأصبحت محطة الشهرة والانطلاق للفنانين الشعبيين، وعانقت كلمات القحطاني حناجر أشهر فناني ذلك الجيل عيسى الأحسائي.

علي القحطاني أكد أن الأغنية الشعبية لاتزال لها رونقها ومطمعاً لكبار نجوم الأغنية مستشهداً بأغنية "يا قرب واشنطن ولندن وباريس" التي غناها الفنان علي بن محمد ولاقت أصداء كبيرة.

وبيّن القحطاني أن الأغنية الشعبية فيها ميزة أنها "تلامس هموم الناس، وتعبر عن مشاعرهم وتحكي قصصهم ويومياتهم ببساطة" منوهاً في سياق حديثه إلى قضية مهمة أن الفن الشعبي بقصائده وألحانه بات مطمعاً لضعاف النفوس الذين سرقوه دون حفظ لحقوق الآخرين.

وشدد على أن ظهور الإنترنت أعطى مجالاً للقرصنة وهذا أضر بالسوق الغنائي على حد وصفه، وقال: "في تسجيلات (الوادي الأخضر) توقفت الآن بسبب القرصنة لـ(الكاسيت) التي نشهدها الآن، ولكن كانت تجربة ثرية وجميلة وتسيدت المرحلة في حينها حيث كان الفنان يغني ويعرف أن أغنيته ستصل للناس وحقه محفوظ".

وقال:" "الوادي الأخضر" كانت بمثابة الأكاديمية التي تضم الفنانين والشعراء والملحنين، كنت أكتب قصائد ويكتب راشد بن جعيثن وأحمد الناصر الشايع، ولدينا قائمة طويلة من الفنانين".

لا تزال حية

الفنان عزازي أكد أن الأغنية الشعبية لا تزال تتصدر المشهد الغنائي، مؤكداً أن الألوان السائدة الآن التي يؤديها كبار الفنانين هي في الأصل شعبية، وقال: "محمد عبده على سبيل المثال هو أكثر الفنانين غناء للون الشعبي"، وتابع: "هذه الأغنية طرأت عليها بعض الأدوات الموسيقية ولكن أغلب الأغاني التي تطرح الآن في السوق هي شعبية".

وأوضح عزازي بأن الأغنية الشعبية لها جمهور كبير نشاهده في المهرجانات المختلفة، وقال: "الفنان الشعبي السعودي يجد الاهتمام في بعض الدول المجاورة، حتى إنه بات مطلوباً إما للمشاركة في حفلات فنية أو لتوثيق أغاني التراث"، مستدركاً: "ولكن نجد الجفاء من المؤسسات الرسمية التي تنظر للفنان الشعبي بعين التهميش، على الرغم من أن أغلب الجمهور متعطش لهذا اللون من الأغاني".

وبين عزازي أن البعض لديه أزمة مع مصطلح "شعبي" رغم أن هذا الفن له هوية وعمق وضارب بجذوره في الموروث.

عزازي