.
.
.
.

الهنوف الدغيشم: العزلة منحتني مدى أوسع لرؤية الأشياء

نشر في: آخر تحديث:

فازت الطبيبة السعودية، الهنوف الدغيشم، بجائزة أفضل بحث علمي مقدم عن البحوث المتخصصة والمهتمة بتطوير تخصص تركيبات اﻷسنان من الأكاديمية اﻷوروبية لطب الأسنان التجميلي، وهي أكاديمية تضم أساتذة بارزين من مختلف الدول اﻷوروبية يقيمون العديد من اﻷبحاث العلمية، فتمنح اﻷكاديمية ثلاث جوائز للأبحاث المتميزة فقط التي تقدمها الجامعات المتنافسة، وقامت الطبيبة الهنوف بعرض بحثها وإلقاء محاضرة عنه، وعن النتائج أمام المؤتمر السنوي للأكاديمية الذي انعقد في31-5-2014 في أثينا.

والهنوف، شابة سعودية جاءت قبل ست سنوات لإتمام الدراسات العليا في طب الأسنان في جامعة فرايبورغ في ألمانيا، فداهمت الهنوف صالح الدغيشم مشاعر الغربة، وتحديات التأقلم، وضغط الحياة العملية في مجتمع مختلف كل الاختلاف عن المجتمع السعودي.

واقع غير المألوف دفعها للشعور بالعزلة، لكنها عزلة تحولت مع الوقت لمساحة من الحرية والتصالح مع الذات، كما تقول في كتابها الصادر نهاية العام الماضي "رقة العزلة".

أم وطبيبة

- بداية، حدثينا عن شعورك بفوزك بجائزة أفضل بحث علمي من الأكاديمية الأوروبية.. وما سر انجذابك لدراسة طب الأسنان؟

شعوري هو الرضا، هذا ما سأقوله لكِ، لقد بدأت دراستي العليا في ألمانيا بشكل متوازٍ مع الأمومة، كان هناك الكثير من التحديات والتنازلات أيضا، وربما بعض لحظات الرغبة في الاستسلام. الفوز في الجائزة منحني الشعور بالرضا، وأن ثمة شيئاً يستحق مقابل كل تلك الفوضى التي كانت في حياتي.

أما قصة انجذابي لطب الأسنان، فهي قصة طفولية وظريفة. لقد كنت أشرح لطبيب أسناني في طفولتي بدهشة، وهو يستمع إليّ بحماس، عن الطماطم الصغير الذي رأيته وأكلته لأول مرة، والذي طلب مني من باب المسايرة أن أحضر له نموذجاً منه في الزيارة القادمة، وعندما فعلت بادلني هدية الطماطم بهدية من البسكويت الذي على شكل حيوانات صغيرة فتركتْ هديتُه وإصغاؤه لي أثراً، جعلني أخرج من عيادته وأنا عازمة على أن أكون طبيبة أسنان، وهو ما حدث، بعد ذلك اللقاء بسنوات طويلة.

- استمرت غربتك كما يحلو لك تسميتها بألمانيا ما يقرب من 6 سنوات.. لماذا ألمانيا بالذات؟

في ذلك الوقت كانت فرص الابتعاث عالية، فكرت أنا وزوجي أن نختار دولة نتعلم بها لغة أخرى، وأن تكون نوعاً ما قريبة، والأهم أن تكون قوية تعليمياً في مجال الطب وطب الأسنان، كون زوجي طبيباً. وألمانيا من أكثر الدول تقدماً في مجال الطب والتكنولوجيا.

- بين الكم والكيف في الدراسة بالمملكة وألمانيا.. ماذا أضاف لك من خبرات علمية؟

أؤمن أن لكل مكان محاسنه في التعليم، لم يكن لتجربتي في ألمانيا أن تنجح لولا تأسيسي العلمي الجيد من جامعة الملك سعود في الرياض. تعليم طب الأسنان له جوانب متعددة، منها ما هو نظري، ومنها بحثي، وآخر إكلينيكي، أي تعامل مع المريض. في ألمانيا كانت فرصة البحوث العلمية عالية جدا، بسبب الميزانيات العالية التي تصرف على البحوث، وتجهيزات المعامل بأحدث الأجهزة. كما أن المجال الإكلينيكي متقدم مقارنة بالدول الأخرى، لأن سوق أجهزة ومواد طب الأسنان الحديثة أغلبها ألماني، فتجد العيادات الجامعية دعماً من شركات مواد وأجهزة طب الأسنان الحديثة وخصوصاً ما يسمى طب الأسنان الرقمي، وهو المرتبط بالكمبيوتر.

- تجربة الابتعاث والحجاب في بلد متحفظ، هل سبب لك نوعاً من عدم تقبل الآخر لك؟

في بداية التجربة، كنت أشعر أن كل شيء يشعرني غريبة ومختلفة. مع الوقت، أدركت أن هذا الشعور نابع من داخلي، فأنا التي أُدرك الاختلاف ما بين هنا وهناك. الحجاب جعل هناك مسافة بيني وبين الآخرين، ربما هذه المسافة جاءت مني ومن تحسسي، وربما من الآخر، لا أعرف.

- الشعور بالغربة ماذا منحك ؟ وماذا أخذ منك؟

الغربة منحتني فرصة تأمل مسرح الحياة، وتأمل نفسي، كما أن شعوري الدائم أنني لا مرئية أو غير مُدركة من الآخر، جعلني بسهولة أتناغم كامرأة مع كل أشكالي وأدواري، أي أن تكون حياتي الخارجية أكثر تناغما مع روحي وتطلعاتي، وقد كانت بالنسبة لي، هذه هي الحرية.

الصمت ملهم

- الصمت بألمانيا جعلك تكتشفين نفسك وتكتبين وتؤلفين كتاب "رقة العزلة" هل بالفعل العزلة رقيقة؟ وما هي أصداء الكتاب عليك وعلى الآخرين؟

لم أسعَ للعزلة، لكنني حين وجدت نفسي داخلها ناسبتني. استطعت أن أخلق داخلها وطناً يشبهني، يشبه عوالمي وكينونتي، لذلك رأيت فيها جانب الرقة. سعيدة بأصداء الكتاب الجيدة والمتنوعة، إنها تجعل قراري في إصدار كتاب آخر أصعب، وأكثر دقة.

"ما يقلقني هو حاجتي إلى كلمة لا تأتي، وإلى تعبير لا أستطيع الوصول له".. هل بالفعل وصلتي لهذه المرحلة؟ وهل أيضاً نستطيع أن نقول إن الأزمة هي محرضك على الكتابة والتأليف؟

بطبيعتي امرأة قلقة، متوجسة من كل ما يدور حولي. العزلة منحتني أن أتجسس هذه الحساسية، وأدرك ما هي منابع قلقي، وأتصالح معها. لذلك الكتابة كانت محاولة للخروج من مأزق، مأزق ما، أدرك مرات ما هو، أحياناً لا أعرف كيف يتشكل هذا المأزق داخلي.

- حدثينا عن مراحل تدوينك لكتابك "رقة العزلة، وما دافعك لنشر الكتاب؟

كتبت في الترام، وغرف الانتظار، وفي الأوقات الطويلة التي كنت فيها وحيدة.
كانت الكتابة عشوائية، في نوتات متفرقة، وفي رسائلي لصديقاتي، وفي ذاكرة الآيباد، وملاحظات الجوال، لم تكن فكرة الكتاب متكونة في ذهني، حتى اقتربت من نهاية هذه التجربة، وشعرت أن تجربتي مختلفة تماماً عن تجربة صغيراتي، اللاتي كن رفيقات هذه الرحلة، فكنّ في حالة اندماج تام، وتصالح فطري مع الغربة، فعدم إدراكهن الفوارق، كان يمنح روحي صمودا.

الكتابة بالنسبة لي تدوين رحلة السير بقلق إلى نفسي، إلى ذاتي النقية، أكتب عن تحولاتي وما انتابني من تغيير في هذه المدينة الصغيرة، وبداخلي امتنان لكل العابرين غير المبالين، الذين صنع عبورهم الناعم حكاية في داخلي، أكتب لأن ذهني لابد أن يحوّل كل صورة عابرة إلى كلمة، كل موقف إلى كلمة، رأسي لا يتوقف عن البحث عن الكلمات.

زوجي دعمني

- أسباب توقفك عن التدوين؟

حياتي أصبحت أكثر تركيباً وتداخلاً، فلم أعد أملك الوقت الكافي، واهتمام القارئ بالمدونات أقل بكثير من السابق، سأحاول أن أحتفظ بالمدونة كأرشيف لمقالاتي، وحواراتي. لذلك أعدك أنني سأعود لها قريباً.

- هل سرقتك برامج التواصل من إكمال مشوارك الأدبي؟

ما زلت في الخطوة الأولى في مشواري الأدبي، فلا أظن أن برامج التواصل رغم ما تستهلكه من وقتنا أعاقتني.

عشتِ مرحلة من المراحل في البحث عن الثقافة والترفيه.. حدثينا عن تجربتك وكيف تقيمين تجربة بناتك كونهن أفضل حظاً في تقبل كل جديد؟

صحيح، سعيت في مرحلة ما للبحث عن السينما والمتاحف. أنا سعيدة جدا، كون بناتي تتاح لهن الفرصة بسلاسة، وأصبحت جزءا من طفولتهن. عشن طفولتهن في بيئة متنوعة الأعراق والأديان، لديهن تقبل لكل ما هو مختلف عنهن، والاستمتاع باكتشافه.

- تجربة أن تكوني أماً وزوجة وطالبة علم ومؤلفة يحتاج لمساندة ما دور الرجل في حياتك؟ وكيف ساعدك في تخطي العوائق؟

لم أتمكن من جمع هذه الأدوار لولا دعم زوجي وإيمانه أن مسيرتنا ونجاحنا واحد، ابتعثنا لإكمال دراساتنا العليا معاً، واتسعت عائلتنا هناك، وسعينا لتحقيق أهدافنا بشكل متكامل، واندمجت أدوارنا في كثير من الأحيان.

- قمتي بزيارة لملجأ للاجئين، هل توافق ما كنت ترسمينه في مخيلتك عن المكان بالواقع الذي شاهدتيه؟

المكان كان جزءا ثانويا من الصورة، من الحكايات التي كنت أستمع لها. ماذا لو قلت لك إن في داخل الملجأ أحزاباً واختلافات وأحقاداً حُملت معهم.. مع كل هذه المسافات التي قطعوها.

الشباب كان لديهم أمل في هذا الاختيار، اختيار اللجوء. لكن العوائل كانت تتألم، ليست سعيدة إطلاقاً، ولديها أمل كبير أن الأوضاع ستستقر، وستعود لبيتها، ومدينتها، ووطنها.

أخذت إرثي الثقافي لألمانيا

- لديك قناعات غيرها لك العيش خارج الوطن.. منها تأثير الآخرين عليك، حدثينا عنها؟

سأقول لك هذا هو أثر العزلة الرقيقة، غياب الآخر عني، لقد بدأت أتكون بشكل مستقل، فليس ثمة يد أتكئ عليها، ولا أعين تتربص بي، كنت أشعر أنني لا مرئية، وهذا الشعور يمنحني مساحة أوسع من الحرية في التفكير والحركة والرؤيا لذلك غاب تأثير الآخر عليّ، وصرت أشعر به بحساسية أكبر، وأملك أدوات مقاومته.

- بعد الهدوء والاختلاء بالنفس عدت للعيش في صخب أجواء العائلة بالمملكة.. هل مازال هناك بقايا من الهنوف الألمانية؟ وما الأمور التي ما زلتِ محافظة عليها بعد عودتك؟ والأمور التي تتمنين أنها لم تغادرك؟

أعتقد أنه لا يوجد الهنوف السعودية أو الهنوف الألمانية، هنا الهنوف التي تتشكل بشكل ممتد وغير مفصول عن أي مرحلة. ذهبت إلى ألمانيا بكل إرثي الثقافي، وصدى صخب الحياة الاجتماعية، وتشكّلت هناك بهدوء وعزلة وتشذّبت قليلا، من دون أن أشعر أن ثمّة ذوباناً لثقافتي. ومن ثمّ عدتُ للرياض مرة أخرى وقد تغيرت أشياء كثيرة فيّ، لا أدرك متى وكيف؟ لكنني أعرف أنها نتاج هذه التجربة، فهذا التباين بين الثقافتين والتعايش في ثقافة أخرى مختلفة تماما، جعلني أرى الآخر من جانب الإنسان، إنني الآن أكثر تسامحًا وتقبلاً للآخر بكل أوجهه واختلافاته. صحيح، أنني الآن أشعر قليلاً، أنني في حالة مقاومة، ولكنني أيضًا أسميها المقاومة الرقيقة.

- ما الجديد بعالم طب الأسنان؟

عالم طب الأسنان عالم حي ومتحرك، ارتباط طب الأسنان بالتكنولوجيا والتطور السريع في هذه العلاقة، هو ما ننتظره كأطباء أسنان كل يوم، لنرى أجهزة جديدة أسرع وأكثر دقة.

- طموحاتك القادمة؟

التحدث عما أطمح إليه، صعب جداً، دائما ما أتهرب من هذا السؤال.