.
.
.
.

عوليس العربي.. في زمام النهاية

نشر في: آخر تحديث:

كتب الروائي السعودي يحيى امقاسم في صحيفة "الحياة" عن "نهاية عوليس العربي":

"أغلقَ البابَ عنّد خروجه.. كان يظنُّ أنّه سيعود كاملاً.. ولا تنقصه سوى عائلته التي انتظرتْ طويلاً عودتَه، مثل عوليس، لكنّه عاد وفي قلبه صوت خفي يحثّه ألاّ يطرق الباب، فلا عائلة هناك، كان إيمانه - بانتظارهم له - كافياً ليعود، بينما لم يكفِ لبقائهم.. أريج عبدالله».

«عوليس الجديد» في هذه الاستعادة لا ينتصف طريق البحث عن مكانه المبتدأ، ولا يكون «مصطفى سعيد» آخر للطيب صالح في نهب من يكون وما كانه وإن عاد إلى شجرته الأولى. «عوليس اليوم» هنا لا يستنهض «الغريب» لألبير كامي من مرقده الخالد لمنحنى العبث الذي أنضج تجربة سارتر؛ بل أنضج تجربة للغة بليغة في الوعي بهلع الإنسان في أوروبا الناهضة من حطام الحرب العالمية الثانية.

ومن المؤكد أنّه هنا لا يستعيد «ليني وصديقه جورج» بطليْ رواية جون اشتاينبك «من فئران ورجال»، اللذين كانا صورة وافية للهتك في الهويّة الأميركية إثر الانهيار الاقتصادي الكبير، ولا يتناص مع شبيهه في رواية جيمس جويس «عوة عوليس» المنزوع لهويات مشتتة وشخوص متداعية مثلتها المخيلة الغربية في بحثها الشاق عن الذات؛ بل علينا أنّ نرى هذا النص وقبيله يقصد تمزق إنسان عربي صرف، وعلينا أن نفتش عن ذلك الإنسان - ترسمه الكاتبة - لنجسّ هلعه من ضمور الهويِّة. هذا النص يختبر الجحيم في أول سؤال: ماذا يعني أن تعود؟!. ونستدعي دلالته لنقرأ «حال العربي» ونثير المخيلة بأسئلة آنية واجبة من خلال هذه الشهادة عبر نص يعتمل بالفرضيات التي نريدها، عبر نص يأتي من كاتبة لم تحفل النوافذ باسمها لتخفيه العمد ، كاتبة من حجاز السعودية، وتصرّ على غلق الأبواب بينها وبين الآخر.. آخر لا يملك إلاّ أن يكون «عوليس» وتشي بمآله المريع حين يدفعه إلى أن يتخذ سلوكاً قاسياً؛ فيتوق إلى عودة بعد غياب؛ بينما علينا عرض التالي: لماذا ذهب أساساً؟! ما المعركة التي نازل فيها وبأيّ شعار أو حق تقدم فيها؟! إلى ماذا وكيف انتهى؟! لنحاول، في غياب كاتبة النص، أن ندق غوالق هذه الأسئلة الممضّة.

إنّنا أمام اختبار هذا الاستفهام: ماذا يعني أن تعود؟!، وكأنّنا من هذه الشهادة نستنهض هزيمة العربي في «الأشجار واغتيال مرزوق» عند عبدالرحمن منيف، ومحاربة الحقيقة العصيّة في صرخة أخيرة أمام المصير لبطل نجيب محفوظ في رائعته «اللص والكلاب» أو الهزيمة التامة لبطله في رواية «الطريق».. وإن تعالى صوت الفرد واستقلال الذات في تلك الأعمال الكبرى فإنّها تظل نوافذ لرُؤى المثقف وفاتحة شهيته على الانتصار وكسر حواجز كلّ الحسرات والخسارة؛ إمّا من تجربته الشخصية المباشرة وإما عبر وسيط لن يكون غير إنسان مخذول، باختلاف المراحل المريرة للوطن العربي.. نقول هذا ونعلم أنّ الكاتبة أريج عبدالله لا تحرث حقلاً سبق حرثه في الموضوع ذاته، وتُؤكد بمقولتها «فكرتي واضحة لو لا ظلالها» اتساع النص الأدبي لمدارك كثيرة عند القارئ؛ ما يصح معه أنّ نراها تُجرب من منظارها تصوير الخذلان والسقوط والمأساة الداخلية والهوّة السحيقة بين بداية متقدة ونهاية معتمة، بين شروق التطلع وانطفاء المحاولات، ذلك ما يجعلنا نُسقط حاجتنا في بعث حالة «المثقف» اليوم؛ إذا ما افترضنا أنّ «العائد» الذي قرأناه في هذا النص هو «الإنسان العربي الراهن»، وبالتالي تنصيب «المثقف» للمواجهة، وحثّه على الاعتراف بأدواته كافة لنصرة الهامش والمبعد واستعراض معاركه وتحدياته مع الواقع وحتى مع سقف إيمانه وتصوراته ووجوده. يصح لنا هنا أن نُلزم هذا المثقف في رحلته الطويلة - مئة عام خلت - ببيان واضح عن مستوى نضاله وصور مناهضته للسلطات التي تعددت أشكالها جادّة في إجهاض الطموح الأكبر.. في الحقيقة لم يكن «المثقف» غير إنسان مُحمّل بأمنيات تفوق حاجته ويتوق إليها إنسان الشارع؛ ما جعله طريد التاريخ وقرباناً للمحاكمة أمام كل جيل لاحق؛ فصار فريسة الذلّ والإحباط والهزيمة العريضة لـ«الحلم العربي».. هذا الإنسان المتفاني في الوعي بالمخاوف والأخطار، وغير المنقطع عن الرفض وعدم قبول المساومة؛ ينتهي إلى عودة مزرية، ينحصر عن المشهد الكامل اليوم، وكان يعتقد في تجربته ما يشفع له أن يبقى على تلك الصورة الذهبية من خمسينات وحتى ثمانينات القرن الماضي، بينما هو يغيب تماماً عن «العار» القائم، عن الصياغات الجديدة لوطنه، وحدود صرخته، ووسائل التكميم العصرية.

هل بحق لا يُوجد اليوم «مثقف المواجهة»؛ فنجدنا أمام نص صريح التأكيد لقسوة المرحلة ويشرح حال السجن في الأرض الأم والأرض المنفى على السواء، فالعودة قدر صارم لا خلاص منه، لكن ما مخلفات الطريق التي ذرعها هذا العائد؟ وماذا ينتظره؟! العائلة المختفية ليست سوى الوطن المنقوص في زمن متقدم، الوطن المتأخر في تطلعاته وحريته؛ إذ لا يتعرف عليه ولا على ملامحه ولا حتى على أقل متطلبات تلزم عائداً من الضياع..

يحق لنا أن نسأل عن ذلك الضياع ما إذا كان بضعاً من ضياع أشمل وأغلق من فجيعة اليتم والوحدة، أرهق من الجهل ببيت وأهل وأكثر غوراً من الخيبات وحصاد الطريق؟! الكل سيدفع ثمن اختلافه، لا شك. ونص الكاتبة يعطي صورة الاختلاف لا القياس الذي سيكون عليه الاختلاف، وأيّ قدر له حتى يصل إلى مستوى تغرب الفرد عن المجتمع أو تغربه عن جميع مكونات المحيط، المحيط الذي دوماً يجدّ في تشييده، التشييد الذي هو في حقيقته هدم متواصل، فكلّما لاذ بخندقه الداخلي والعميق وجده خراباً صريحاً؛ وعليه أن يُناضل في التمسّك بكلّ رمق من اختلافه فغربته الطويلة. إن الرهان على الصمت يُفاقم الدهشة لدى «الغريب» وينصاع إلى إكمال موته الحيّ حتى النهاية؛ لذلك فأيّ نداء للعودة قبل الأوان لا يُغريه، فهو مناصر لقوى إنضاج التجربة، وما من تجربه سوى ذهابه حتى الجرف النهائي لإكمال صورته في المشهد، وما من مشهد اليوم غير الانكسار الكبير، وكأنّ الزمن يحتفظ ببريق الانحطاط في الحياة العربية الحاضرة منذ ثورتها في عشرينات القرن الماضي حتى اللحظة. إنّ هذا النص لا يجد له مكاناً صريحاً في الكتابات الإبداعية، والنادرة جداً فحسب؛ بل يتكئ على حمولة معرفية بلا شك؛ وكان محركاً لهذه الكتابة التي تدافعت نحو قراءة حال ماثلة يدور فلكها في شأن «إنسان عربي» تفاقمت أوجاعه ولا يبرأ منها في ظل هذا الخسران الواسع لكلّ شيء، وأمام هذا التزوير الواضح في مفهوم البقاء الكريم له وإذلال كلمته التي كان يُراهن على أنّها ستسود؛ وكان عليه أن يعود إلى مقصلة الحقيقة، إلى مملكة النبذ؛ فالمرحلة لا تحتمل المعارك، المعارك التي يتطلب خوضها شرفاً ما، وما من شرف اليوم سوى العودة.