الحج والسياسة
في كل موسم حج تتكرر الدعوة إلى عدم تسييسه، ويتكرر التأكيد على أن هذا التوجه غير مسموح به على الإطلاق، وهذا ما يجعلنا نستنتج أنه لولا وجود محاولات كهذه، وتوفر معلومات عنها لما تمت الإشارة إلى هذا الموضوع كل عام. والحقيقة أنه أمر عجيب حين لا تكون أيام السنة كافية للمماحكات السياسية التي تختبئ تحت عباءة الدين فلا يصبر أصحابها على أيام معدودات لتكون خالية من التلوث السياسي وأمراض السياسة، وبدلا من توجههم إلى الله بكل جوارحهم يتوجهون إلى البشر لنشر أفكارهم واستقطاب ما أمكن من الأتباع والمريدين والمؤيدين والمناصرين.
لقد تكشفت أوراق كثيرة خلال السنوات الثلاث الأخيرة فيها معلومات مثيرة عن تيارات وتنظيمات وأحزاب وجماعات كانت تحيط نشاطها وتحركاتها بقدر كبير من السرية، وتستغل أي مناسبة، ومنها الحج، لممارسة نشاطها السياسي من خلال اجتماعات سرية أو شبه علنية تحت مسميات بريئة من السياسة في ظاهرها، لكنها في حقيقتها مسيسة حتى النخاع، وقد أكد هذا الأمر بعض المنتمين إلى تلك التنظيمات بعدما نشب الخلاف بينهم على المراكز والأدوار حين هبت الرياح ببشائر الأحلام القديمة.
لم يفسد الدين شيئا مثل السياسة التي تتطلب ممارستها كل الأقنعة والمراوغة والانتهازية وتغيير الآراء والمواقف والمبادئ، وأي تنظيم سياسي في أساسه يمتطي عربة الدين لتحقيق مآربه هو أشد إساءة للدين من خصومه الذين لا ينتمون إليه، فكيف وقد وصل الحال بالبعض إلى تلويث شعائر ركن من أركان الإسلام بأوضار السياسة، وبجوار بيت الله الحرام والمشاعر المقدسة.
لقد اعتادت بعض الجهات الرسمية كوزارة الحج، والشؤون الإسلامية ورابطة العالم الاسلامي وغيرها، على تنظيم نشاطات تصاحب موسم الحج تحت مسميات ومحاور فضفاضة لا تحقق أهدافا محددة أو نتائج واضحة، ولذلك نرى أن الأجدى في هذه المرحلة أن تركز على هذا الموضوع الحساس الذي أضر كثيرا بالاسلام وأهله، أي تسييس الدين لخدمة أجندات سياسية فئوية فرقت شمل المسلمين وأساءت للإسلام أكثر من أي وقت مضى، كما نأمل من الجهات الرسمية عدم التسامح مع أي محاولات كهذه، وفضح من يقومون بها والضرب على أيدي من يتعاونون معهم، من الخارج أو الداخل.
* نقلا عن "عكاظ" السعودية