رفسنجاني والعودة إلى الجبهة الأمامية للسياسة

موسى الشريفي
موسى الشريفي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
10 دقائق للقراءة

بعد أشهر من التردد رشّح المخضرم السياسي البراغماتي رفسنجاني نفسه أخيراً لخوض الانتخابات الرئاسية ليقود السلطة التنفيذية إذا ما فاز في المعركة الانتخابية. لاشك أن عودة رفسنجاني للمُعترك السياسي الإيراني أغضبت الكثير من الأصوليين وفجرت قنبلة نفسية في أوساطهم وجعلتهم في حيرة من أمرهم، حيث إن فوزه سيشكل خسارة كبيرة لكل تطلعاتهم السياسية في الداخل واحتكارهم للسلطات.

رفسنجاني البالغ من العمر 79 عاماً، تولى منصب رئاسة الجمهورية لفترتين متواليتين، كما كان رئيساً للبرلمان لدورتين أيضاً والقائد العام للقوات المسلحة بالنيابة عن مؤسس النظام آية الله خميني ورئيساً لمجلس الخبراء وعضواً في مجلس قيادة الثورة ومازال رئيساً لمجمع تشخيص مصلحة النظام.

المحافظون غاضبون، لا بل وحانقون - إن صح التعبير - من جراء مواقفه المؤيدة للحركة الاحتجاجية الإصلاحية والداعمة لها في السر والعلن في السنوات الأربع الأخيرة.

كان رفسنجاني قد احتج على الاعتقالات التي طالت الإصلاحيين في آخر خطبة له من على منبر صلاة الجمعة في طهران عام 2009 عقب أحداث التي تلت الانتخابات وطالب بالإفراج عن المعتقلين السياسيين كافة والتوجه نحو الانفتاح السياسي في إطار الدستور الإيراني، وبهذا فصل خطه عن المرشد الأعلى الذي اتهم المحتجين بالعمالة وإثارة الفتنة ودعم بقوة الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، وبات لا يعرف اليوم ما الحيلة للتخلص منه ومن فريقه الذي نزل إلى الساحة بمرشحه إسفنديار رحيم مشائي.

وبعد انتقاداته اللاذعة للطريقة التي تم بها التعامل مع المحتجين مُنع رفسنجاني من صعود منبر صلاة الجمعة في طهران، ومن ثم ّخسر منصب رئيس مجلس الخبراء، وتم اعتقال أبنائه: مهدي وفائزة، وزجّ بهما في السجن، هذا كله تمّ في سياق ممارسة الضغوط عليه لجرّه إلى موقف منفعل بُغية التخلص منه، حسب بعض المراقبين.

إلا أن رفسنجاني تحلى برباطة الجأش، ولِمَ لا فهو الأدهى والأذكى بين كافة شخصيات الثورة منذ انتصارها قبل ثلاثة عقود ونيف، وبهذا صار يحصد نتاج موقفه هذا، فعندما اصطدم المرشد علي خامنئي بتمرد أحمدي نجاد وفريقه على أوامره اغتنم رفسنجاني التصدع الحاصل بين الجانبين وظل يراقب التطورات على هذا الصعيد بهدوء دون أن يتسرع أو يخرج من طوره المعهود، وبقي ماسكاً العصى من الوسط بين الإصلاحيين والمحافظين المنافسين لأحمدي نجاد.

وانطلاقاً من هذه السياسة شارك علناً في الانتخابات البرلمانية قبل أقل من سنة تقريباً رغم الانتقادات التي وُجهت له من قبل بعض الإصلاحين الذين قاطعوها.

وفي الأشهر القليلة الماضية وُجهت شتى أنواع التّهم إلى رفسنجاني، وشُن ضده أشد الهجمات الإعلامية من قبل الجناح المتطرف في المعسكر المحافظ بُغية منعه من الترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة، ولكن كل ذلك لم يحول دون توجّهه في اللحظات الأخيرة إلى وزارة الداخلية الإيرانية تسجيل اسمه كمرشح.

والمشهد السياسي الإيراني كان ومازال يعرف رفسنجاني كشخصية براغماتية تتمتع بأعلى درجات الدهاء، ما يجعل التغلب عليه أمر صعب المنال، ومن هذا المنطلق يعتقد البعض أن مجموعة "فرقان" وضعته على رأس قائمتها لاغتيال شخصيات النظام في بدايات الثورة ولكن نجا منها.

وتتهمه المعارضة بالوقوف وراء كافة الاغتيالات التي طالت المعارضة السياسية في الخارج والداخل، كما تعتبره هو وأسرته نموذجاً للمافيا الاقتصادية في إيران، وتستند المعارضة بالحكم التي أصدرته محكمة ميكونوس، حيث اتهمت رفسنجاني وخامنئي بالوقوف وراء اغتيال القيادي الكردي المعروف الدكتور عبدالرحمن قاسملو أمين عام حزب الديمقراطي الكردستاني الايراني في الثمانينات.

أما الذين يفضلون التغيير التدريجي المرحلي في إيران فيرون في رفسنجاني الخيار المتوفر الأوحد في ظل فقدان سائر الخيارات، بل يعتبرونه الأفضل لأنّ من شأنه لعب دور الوسيط بين المعارضة المعتدلة الإصلاحية والمتشددين خاصة في الوضع الراهن التي يسود المنطقة التوتر، حيث تواجه إيران تحديات عدة على المستوى الداخلي والخارجي، الملف النووي والتوتر في العلاقة مع الجيران والاحتقان الداخلي بسبب القمع السياسي ومطالب القوميات غير الفارسية في الداخل وملفات أخرى، يعتقد أصحاب نظرية التغيير التدريجي بأنه في ضل هذه الصعوبات والمشاكل التي يواجها البلد اي تغيير مفاجئ أو دراماتيكي مثل ثورة عارمة أو هجوم خارجي سوف يؤدي الى انهيار إيران وتجزئتها، خاصة أن المنطقة المحيطة بإيران تشهد انقسامات طائفية وعرقية لم يسبق لها مثيل في الماضي وإيران المتكونة من شعوب غير متجانسة ثقافية وعرقياً من أتراك وأكراد وعرب وبلوش وجيلك ولر وفرس أكثر هشاشة من غيرها من البلدان الأخرى، حيث تزايد الوعي القومي والسياسي لدى الشعوب غير الفارسية وبدأت تطالب بأعلى صوتها أكثر من كل وقت مضى.

رفسنجاني والمرشد علي خامنئي

العلاقة بين رفسنجاني والمرشد لها وجهان: وجه إيجابي ووجه سلبي مفروض عليهما، الوجه الإيجابي أن رفسنجاني وخامنئي يتشاوران في كثير من الاحيان عندما يشعران بأنّ مركب السلطة الذي يحملهما سويّاً يواجه المخاطر والازمات، فعندها يطبقون نظرية الخميني وهي "حفظ النظام فوق كل اعتبار".

رأينا تطبيق هذه النظرية منهما في مواجهة كثير من الاحداث والقضايا ومنها وقف اطلاق النار مع العراق والذي كان لرفسنجاني الدور الرئيسي في إقناع الخميني لإيقاف الحرب.

ولكن خلافهما مفروض عليهما بسبب تمثيلهما وبالأجدر ترأسهما لمؤسسات ضخمة وكبيرة تهمين على مفاصل الدولة وتشكل الهيكلة السياسية في البلد فتتضارب مصالح هذه المؤسسات خاصة في المجال الاقتصادية، فيبرز الخلاف وينعكس على العلاقة بين رفسنجاني وخامنئي دون أن يريدان ذلك.

أما اليوم علاوة على تضارب المصالح في مؤسساتهم فهناك فجوة بالرؤية السياسية بين الاثنين وهذه الفجوة هي نتيجة لابتعاد رفسنجاني في السنوات الاربع الاخيرة من بيت المرشد، فأنتجت القطيعة قناعات جديدة أكثر لرفسنجاني، خاصة أن رفسنجاني لعب دور المراقب للساحة وشاهد الأخطاء لذا تغيّرت بعض قناعاته. فمثلاً كان أول من احتج على قتل السوريين على يد الاسد وانتقد وقوف ايران معه في بداية الصراع عندما كان خامنئي متحمّساً لدعم الاسد، كما صرح رفسنجاني أخيراً بأن "إيران ليست في حالة حرب مع اسرائيل فليحارب العرب ونحن ندعمهم".

هذا ولم يأتِ رفسنجاني حتى الساعة بتصريح ولو مرة واحدة ضد الإصلاحيين على العكس انتقد سلوك نجاد في السياسة الخارجية والداخلية وأنذر مرات عدة عن تدهور البلاد.

أهداف رفسنجاني واستراتيجيته لخوض المعركة الانتخابية

وقرر رفسنجاني خوض معركة الانتخابات بعد اطمئنانه إلى الفشل السياسي لطرفي الصراع الاخير، أي تيار أحمدي نجاد وتيار المرشد، وكان يهيئ نفسه لدخول المعركة عندما شارك في الانتخابات البرلمانية فقد لعب اللعبة السياسية بكل دهاء وحنكة عندما قذف الكرة بملعب المرشد وأحرجه عندما اشترط "موافقة المرشد للترشيح" في مثل هذا الشرط لو لم يوافق المرشد سوف تقع المسؤولية وتبعاتها السياسية على المرشد ويكون محرجاً للإجابة عن سؤال قد يوجه له من قبل فصيل كبير من رجال الذين وهو: كيف لرئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام وأحد رموز الثورة لم يوافق عليه المرشد؟ السؤال محرج للغاية لخامنئي في الوقت الراهن. وأما المعنى الثاني الذي يحمله في طياته شرط رفسنجاني "موافقة خامنئي"، هو أن كل ما تعاني منه البلاد اليوم رجع لقرارات خامنئي والمسؤول الأول والأخير عنه المرشد، خاصة إذا ما استمرت الأوضاع المتدهورة والملخص فأراد رفسنجاني بشكل غير مباشر أن يقول إنّ المسؤول عن كل صغيرة وكبيرة في البلد هو خامنئي.

وأما تأمله وتأخيره هو والتيار الإصلاحي الذي يقف خلفه كان بمثابة جسّ نبض للشارع الإيراني الذي ضل مترقباً لموقف الإصلاحيين: هل يخوضون الانتخابات أم لا؟ وكان رفسنجاني متخذاً بسكوته سياسة ترهيب وتخويف للأصوليين الذين كانوا ومازالوا يقولون إن الحركة الاصلاحية ماتت واندثرت، فمؤشرات مجيء رفسنجاني أربكت الكثير منهم والتصريحات النارية والتهم التي وُجّهت له من قبل شقيق المرشد خامنئي وحيدر مصلحي وزير المخابرات في الواقع نتيجة إرباك هذا التيار من رفسنجاني والإصلاحيين والمحافظين المعتدلين مثل نجل آية الله مطهري الذي يقف في خندق رفسنجاني.

فبعد دخول رفسنجاني المعركة وبعد إعلان خاتمي الوقف وراءه قام التيار الأصولي بكل قوة بشنّ الهجوم عليه بدءاً بشريعتمداري صاحب جريدة "كيهان" والمقرّب من خامنئي الى علي أكبر ولايتي، وانتهاءً بشقيق خامنئي هذا يدلّ على أن حضور رفسنجاني وإلى جنبه خاتمي قد أربكهم بشكل غير طبيعي.

ولكن رغم هذا مازال التيار المتشدد هو الذي يسيطر على المشهد السياسي بالقوة وفرض الأمر الواقع القضاء والحرس الثوري والمخابرات كلها تخضع لهذا التيار استطاع خامنئي في السنوات الأخير يبني إمبراطوريته تحت مظلة "ولاية الفقيه"، ولم يلبِ أي طلب من رفسنجاني أو خاتمي في ما يخصّ إطلاق صراح المعتقلين، خاصة أن خاتمي كان قد لمّح مراراً وتكراراً إلى أنّه لا يمكن أن يشارك في الانتخابات وقيادات الحركة الاصلاحية قابعون في السجون، ولكن اضطر الآن إلى التراجع عملياً أمام الامر الواقع وإعلان دعمه ووقوفه الى جانب رفسنجاني. ربمّا يعتبر البعض موقفاً حكيماً وعقلانياً وسليماً استلامه السلطة التنفيذية أفضل من ترك الساحة بأكملها الى من يعتبرهم الكثير من الايرانيين ليسوا أهلاً لإدارة بلد مثل إيران الذي يجدر به أن يكون على مستوى البدان النامية نظراً لإمكانياته الاقتصادية والجغرافية في المنطقة.

دخل رفسجاني لعبة سياسية قد تجلب له عداء المرشد لكن ظروفه الیوم تختلف عما كانت عليه الظروف قبل أربع أعوام، حیث يقف خلفه خاتمي والمعتدلون من الأصوليين ومراجع كبار من علماء الشيعة الذين لهم تأثير كبير على مدينة قم، وما أدراك ما قم! وما تأثيراتها على القرارات السياسية في طهران، لقد غامر رفسنجاني بدخوله معركة الانتخابات فإذا خرج من فلترة مجلس صيانة الدستور وحصل على التأهيل والتأييد سيصارع خامنئي لا محالة وسنرى صراعاً مستمراً بينهما.

لقد خسر رفسنجاني الانتخابات سنة 2005 امام احمدي نجاد ولكن كان الانطباع بأنّه زُوّرت الانتخابات واليوم رفسنجاني يحتاج جميع ممن يفكرون بالتغيير التدريجي للوقوف معه كي يحقق فوزه على الاصوليين.

وفي المقابل إذا حاول الاصوليون استخدام ادواتهم لحذف رفسنجاني والقوى الإصلاحية بشكل غير قانوني من خلال مؤسساتهم مثل مجلس صيانة الدستور أو ما شابه فإنّ ذلك سيؤدي إلى تدهور سياسي وأزمة لا يمكن الخروج منها.

وإن استطاع رفسنجاني إحراج خامنئي وإجباره على الموافقة ولكن لا أعتقد أنه يستطيع إقناعه على تحديد صلاحياته في دائرة "ولاية الفقيه"، وهذا أساس المشكلة يعني لا يمكن لإيران أن تتحول الى بلد ديمقراطي، كما يحلم الكثير من أبنائها في ضل وجود سلطة ولي الفقيه.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.