التعارض بين المواطنة وولاية الفقيه

محمد بن سعود المسعود
محمد بن سعود المسعود
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

لن أقف طويلا أمام -غربة- نظرية ولاية الفقيه - في محيطها الفقهي، وتصنيفها - بمخالفة المشهور - من أقوال العلماء، فقد ظلت هذه النظرية منزوية على ذاتها، غير قادرة على إقناع عقل الاستنباط الشيعي بصحتها، على مدى زمن متعاقب وطويل، ظلت وحيدة أمام المجموع الكلي الرافض لها، الماضي بقناعة عدم التسليم بصحتها، وبطلان أدلتها في إطلاقها وعدم تقييدها.
ذاك ثابت، كما يقرره كبار علماء الشيعة الماضين والمعاصرين، أمثال الخوئي، والحكيم، والسستاني، وغيرهم. وهذا هو المشهور عندهم بالجملة. إذًا هي نظرية شاذة في الفقه الشيعي، غير مرضي عنها حتى في حدودها المكانية -الجمهورية الإسلامية في إيران- ففي مدارس قم الدينية، ظلت هذه النظرية بذات صفات المنبوذ، والمبغوض عند فقهائها، وكبار العلماء فيها، فلم يتقبلها الفقهاء الإيرانيون بقبول حسن حتى بعد مضي أكثر من ثلاثة عقود من الزمن من قيام الثورة. فهم يعتبرون الأدلة التي تسند ولاية الفقيه نفسها عليها، ضعيفة، وفيها تحميل بأكثر مما تحتمل، وفيها إطلاق لمقيد، وتجاوز عن شروط القبول الكثيرة.
إذًا هي -نظرية القلة- أو هي الشاذ الفقهي، في مدرستها الفقهية، وفي محيطها المذهبي، الذي ولدت من رحم مصادره وفقهه وتاريخ الاستنباط الطويل فيه. الذي لم يغلق باب الاجتهاد في مرحلة من مراحله.
ولكني سأتوقف عند ''معضلة'' المواطنة وولاية الفقيه عند من يؤمن بها، من -''القلة''- المشار إليها، أتوقف عند بيان أحد مشايخ القطيف الذي قال: إنه ''يؤمن بولاية الفقيه المطلقة'' -لنثير الأسئلة الصعبة في هذا التعارض، الذي يفضي بكل يقين إلى سقوط أحدهما. المواطنة أم ولاية الفقيه؟ من الذي يضع فقه الأولوية؟ من الذي يحدد بوصلة الانتماء؟ والطاعة هنا؟ هي معضلة تنتهي إلى بطلان –جوهر- المواطنة.. التي تعني أن تنتمي إلى أرض وإنسانها وتاريخها وقيادتها ومشروع الدولة فيها. لكون ولاية الفقيه المطلقة تعطي لنفسها الحق المطلق في الحكم على كل شيء في كل مكان. وتقرر نيابة عن كل إنسان في الشأن العام، وفي السياسة الإقليمية، والمحلية على حد سواء.
وهنا نقع في مشكلات لا حصر لها، ليس في تعارض عبور هذه النظرية لحدود الجمهورية الإسلامية في إيران وتصادم هذا مع جميع المواثيق الدولية التي وقّعتها إيران، والقانون الدولي لسيادة كل دولة على أراضيها وشعبها. ولكن المشكلة في مفهوم الطاعة والانتماء الطاهر والصادق والصحيح. هل هو لوطن هذا الشيخ القطيفي، أم لولاية الفقيه التي أعلن أنه يؤمن بها بالمطلق! وحين يتعارض الموقف بين وطنه، وبين رأي الولي الفقيه؟ أين سيكون محله؟ ولمن سيعطي ظهره؟
في الواقع الشيعة في أوطانها ليس لديها، هذه المعضلة. إلا من اختار هذه النظرية المعزولة والمغضوب عليها، لكونهم جميعا يعتبرون -قول المرجع في السياسة- مجرد رأي في موضوع يتساوى مع أي فرد من مقلديه، ولا يجب طاعته فيه. كما أنه لا ولاية شرعية له للفتوى في الولايات العامة، وأن كل شيعي يتبع الفقيه في حدود معرفة الحلال والحرام في المسائل الشرعية في غير الشأن الوطني. وثمة ميراث فقهي وعقلي حافظ عليه علماء الشيعة لمدة تزيد على ألف عام. وهو أن بقاء التشيع مرهون بعدم تسييسه. وعدم تصادمه مع محيطه، وعدم النزوع للسلطة. ولذا لم تتحرك المرجعيات الشيعية في العراق للحصول على الحكم فيه، رغم تمكين الظروف، ومساعدة المقادير عليه أكثر من مرة في التاريخ. ورغم الكثرة العددية، ولكن القناعة المتوارثة عندهم. أن السياسة تفسد المكان الذي تصل إليه. ولذا تُحرِّم الحوزة العلمية في النجف على طلابها مزاولة السياسة. أو جرها إلى الحوزة.
إن هذا الشيخ في مأزق حقيقي، وسيخلق تكرارا لقصة قديمة فاشلة، وغير قابلة للنجاح، سيتجه إلى البحر ولن يجد سفينة تنتظره، وسيلقي بنفسه من ارتفاع هائل. دون أن تنفتح مظلة.. ترفعه! يحق للجميع أن يسأل عن حدود هذا الإيمان المطلق بولاية الفقيه؟ ويحق للجميع أن يحاكم مفهوم الأتباع وحدوده؟ ويحق للجميع أن يخاف من تكرار تجربة القنابل البشرية أمام مصانع البتروكيمياء في الجبيل! يحق لنا أن نقلق من دلالة هذا الإعلان! السياسي المبطن بالفقه! إذ لو كانت المسألة مردها لفتوى الحلال والحرام. فما الداعي لنشر هذا للعالمين! وإن كان هذا سياسة، إذًا تعال نستوف حقوق المواطنة وشروطها الواجبة منك أولا. لكيلا يتحول التقليد الفقهي إلى إرادة سياسية تتصادم مع المواطنة الحقة وأركانها الواجبة، إذ ليس من الممكن تحويل من لا يعي المفردات إلى ضحايا مؤجلة، وليس من المقبول تحويل النظرية الجمعية لشركاء الوطن محملة بسوء الظن تجاه هذا الجزء الصغير من الوطن، كما أن حرية الاختيار دائما تقف خارج المسلمات الكلية -الوطن- والاستقرار -والمشاركة الصادقة في البناء والنماء والعطاء كل بحسبه وكلا بقدره. لن يفسح الصمت المكان ليتمدد هذا الصوت النشاز على حساب كل مفاهيم الوحدة الوطنية والتقارب وتجاوز تراث الكراهية وميراث تلبيس الدنيا بلباس الدين، وتلبيس السياسة لباس الفتوى، هذا الذي يؤكد على ضرورة تأصيل سعوديين شيعة وليس شيعة سعوديين. في كل مرة وفي كل موقف.


*نقلاً عن "الاقتصادية" السعودية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.