نحن وإيران

محمد الصياد
محمد الصياد
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

منذ انتصار الثورة الإسلامية في إيران بإطاحتها شاه إيران محمد رضا بهلوي في العام 1979 والعلاقات الخليجية الإيرانية لا يكاد يفارقها الشك والريبة بل والتوتر الذي يخبو تارة ويطفو تارة أخرى على السطح . والأكيد أن ما تمر به علاقات الطرفين هذه الأيام هو إحدى أحلك فترات التأزم التي مرت بها في غضون العقود الثلاثة الأخيرة .


الدول ليست كالأفراد، من حيث توافر الأخيرين على فرصة اختيار جيرانهم . فلقد تقررت جغرافيا الدول وتضاريسها على وجه البسيطة منذ بداية الخلق، فلا يملك أي من الدول تغيير حقائق جغرافيتها وترتيباً تغيير جيرانها .


هذا هو حالنا مع جمهورية إيران الإسلامية التي فرضت علينا الجغرافيا جيرتها، مثلما فرض علينا واقع التغيير العاصف الذي حدث فيها في العام ،1979 والذي جاء بنظام سياسي ذي خصوصية فريدة، من حيث إنشاؤه لنوع من الدولة الدينية الراديكالية في توجهاتها الأيديولوجية والسياسية الثوروية من ناحية، والمحافِظة في أبعادها الاجتماعية والثقافية، فرض علينا التعامل مع حقائقه غير المستساغة . وكان يمكن لوقع هذه التطورات الاستثنائية في الوضع الإيراني أن يكون خفيفاً على العلاقات الجيوسياسية الإقليمية الخليجية وبضمنها العلاقات الخليجية الإيرانية، لولا جموح النظام الجديد وتهوره واندفاعه المحموم والمتصاعد في انتهاج سياسات تتسم بالتحدي تكاد تغلف معظم فحوى الخطاب السياسي الذي يتناوب كبار قادة الدولة على إرساله بانتظام لعناوين إقليمية ودولية مختلفة . وهو خطاب تستبطنه سياسات قائمة على العسكرة وسباق التسلح والاستعداد الدائم للحرب، وذلك برسم المناورات العسكرية، البرية والبحرية والجوية التي تجريها قطاعات الجيوش الإيرانية المختلفة بصورة متواصلة ليس لها نظير في أية دولة في العالم قاطبة .


في البديهيات المتصلة بنظام العلاقات الدولية -التي أصبحت مع ذلك مادة للجدل في ظل الكوكبة التي من إحدى سماتها تداخل القومي مع ما فوق القومي - أن لكل دولة عضو في الأسرة الدولية الواقعة تحت مظلة منظمة الأمم المتحدة، حرية انتهاج السياسات والخيارات التنموية السياسية والاقتصادية والثقافية التي تفضلها وتقررها حكومتها، ولكن بشرط ألا تتعدى هذه السياسات والخيارات الحدود التي قررتها الأمم المتحدة ومنظماتها التابعة في مواثيقها ومعاهداتها لتطول حرية خيارات ومصالح الدول الأخرى .


ولو أسقطنا هذه المقاربة العاكسة لموضوعية العلاقات الدولية الجارية على علاقات الجيرة بيننا كدول خليجية أعضاء في مجلس التعاون وبين إيران، لوجدنا أن خرقاً لتلك المعادلة القائمة على أساس “حريتك تنتهي حين تبدأ حرية الآخرين”، يعتور ممارستها الفعلية، هو حادث، ومتصل، على الأرض منذ ما قبل استقرار النظام الذي أفرزته الثورة الإسلامية في إيران وحتى اليوم . وهو ما ظل ومازال يعكر صفو علاقات الجيرة بين الجانبين .


وكان يمكن لهذه العلاقة أن تتبدل وتتحسن في اتجاهات إيجابية، اقتصادياً واستثمارياً على نحو خاص، لو أن إيران الثورة بادرت إلى ممارسة مواقف ودية تجاه دول التعاون على نحو ما حدث على سبيل المثال إبان ولاية الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي التي سرعان ما تبخر رصيدها بعد عودة المحافظين القوية إلى مفاصل الدولة الإيرانية كافة .


ولذلك أميل إلى تشبيه وضع علاقاتنا الخليجية الراهنة بعلاقات الجيرة المتوترة بين كل من كوريا الجنوبية واليابان من جهة، وبين كوريا الشمالية من جهة ثانية . فقد شاءت الأقدار أن تجاور هاتان الدولتان الرئيستان في القارة الآسيوية كوريا الشمالية بنظامها السياسي الشمولي والعسكرتاري الذي اختار طريق التنمية الحربية التسلّحية، بالإنفاق المفرط على مختلف أنواع أسلحة الدمار الشامل بما فيها السلاح النووي، على حساب التنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة . فكان أن غدت هذه الدولة الآسيوية مصدر قلق دائم لجيرانها لاسيما كوريا الجنوبية واليابان . وقد كان متاحاً لهذه الدولة أن تسلك طريق كوبا الدولة الجزيرة الصغيرة في البحر الكاريبي التي تعاني حصاراً أمريكياً شرساً منذ أن أطاحت الثورة الكوبية قيادة فيديل كاسترو ورفيقه الراحل تشي غيفارا في الأول من يناير/كانون الثاني العام ،9591 نظام باتيستا الموالي للولايات المتحدة، حيث لم تمنع سياسة العداء الأمريكية للنظام الكوبي سعيه الدائم إلى الحفاظ على علاقات جيرة مستقرة مع جيرانه .


في علاقات الجيرة الخليجية الإيرانية فإنه يمكن القول إن الطرفين بذلا في واقع الأمر بعض المحاولات على مختلف المستويات، بما في ذلك على مستوى القيادة، لتلطيف أجواء العلاقة وطرح مبادرات لمشاريع تنموية ثنائية طموحة . إلا أن هذا كان يصطدم في كل مرة بالحالة الاستنفارية والاستعدادية الدائمة للحرب السائدة في إيران . فالاستقرار لا يستقيم في النهاية مع الأجواء العسكرتارية .

*نقلا عن "الخليج" الاماراتية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.