.
.
.
.

ذئب في ثوب حمل

عطاء الله مهاجراني

نشر في: آخر تحديث:

كلما قرأت خبرا أو اقتراحا عن المفاوضات المباشرة بين إيران والولايات المتحدة، أتذكر مقالي الذي نشر قبل 23 عاما من الآن، والذي كان في ذلك الوقت بمثابة رسالة واضحة لأحد المحرمات الكبرى في إيران، حيث كان يطلق على الولايات المتحدة آنذاك اسم «الشيطان الأكبر»، وكان الحديث عن قضايا مثل المفاوضات المباشرة مع الولايات المتحدة يعد شيئا لا يمكن تصوره على الإطلاق. وعقب نشر المقال، خرجت كثير من المظاهرات ضدي في طهران وقم وغيرها من المدن الإيرانية الكبرى. وكان كل ما اقترحته في هذا المقال هو عقد مفاوضات مباشرة بين إيران والولايات المتحدة، واتهمتني كل الأحزاب وجميع الشخصيات السياسية الكبرى بأنني عميل للولايات المتحدة، في جميع المقابلات الشخصية والتصريحات، وحتى آية الله خامنئي ألقى كلمة حينئذ يتهمني فيها بأنني ساذج ومغفل، ولكنه غير رأيه بعد مرور 10 ساعات وبعث إلي برسالة يعتذر فيها على تلك الاتهامات.
والآن، عندما أمعن النظر في التاريخ خلال العقود الأخيرة، أرى أنه لم يعد سرا أن إيران قد تفاوضت مع الولايات المتحدة في أفغانستان والعراق وأوروبا حول برنامجها النووي، علاوة على أن الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد قد بعث برسائل رائعة لجورج دبليو بوش وأوباما، وجرى تجاهل هذه الرسائل تماما ولم يجر الرد عليه. وعلى الجانب الآخر، أرسل أوباما خطابا مهما للغاية إلى آية الله خامنئي.
وعقب فوز حسن روحاني في انتخابات الرئاسة الإيرانية، والذي جاء نتيجة لدعم الإصلاحيين، قال هاشمي رفسنجاني إن وجه إيران قد تغير وإن العالم بأسره والولايات المتحدة وأوروبا على وجه التحديد قد وصلتهم هذه الرسالة بشكل واضح. وتعد المقالات التي كتبها اثنان من وزراء الخارجية السابقين - جاك سترو ويوشكا فيشر - مهمة للغاية في هذا الصدد.
وثمة مجموعتان، أعني المتطرفين للغاية في إسرائيل وإيران، تقفان ضد أي شكل من أشكال التفاوض مع الولايات المتحدة ولا تؤمنان بأهمية إعادة بناء العلاقات بين طهران وواشنطن، وتدعوان أنه لا يوجد أي تغيير في الموقف الإيراني. والشيء الغريب أن المتطرفين في إيران ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يتحدثون بنفس الطريقة ويستخدمون نفس الكلمات، ففي حواره مع شبكة «سي بي إس نيوز» في الرابع عشر من يوليو (تموز) الحالي، وصف نتنياهو روحاني بأنه «ذئب في ثوب حمل»، ولكن أحمدي نجاد كان «ذئبا في ثوب ذئب». وفي إيران أيضا، تتبنى صحيفة «كيهان» المتشددة نفس الموقف.
والآن، يطالب 29 شخصية من المسؤولين الحكوميين السابقين والدبلوماسيين والضباط وخبراء الأمن القومي، يطالبون البيت الأبيض بإجراء مفاوضات مباشرة مع إيران بمجرد تولي الرئيس المنتخب روحاني مقاليد الأمور بصورة رسمية. ووجهت هذه الشخصيات رسالة إلى الرئيس الأميركي باراك أوباما تقول فيها إنها ترى أن انتخاب الرئيس الإيراني الجديد «فرصة كبيرة لدفع الجهود الدبلوماسية وإيجاد حل للمواجهة بشأن البرنامج النووي الإيراني».
تأتي هذه الرسالة في الوقت الذي دعا فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لتشديد العقوبات والتهديد بشن عمل عسكري، ويقال إن الكونغرس يدرس سلسلة جديدة من العقوبات.
وقالت الرسالة: «بمجرد تنصيب الرئيس الجديد، ينبغي على الولايات المتحدة مواصلة العمل المنسق مع جميع الأطراف بشأن القضية النووية من خلال مجموعة (الخمسة زائد واحد). وعلاوة على ذلك، يتعين على الولايات المتحدة الاستعداد لمضاعفة جهودها لمواصلة المفاوضات الثنائية المباشرة مع إيران ومناقشة قضايا تتجاوز الملف النووي، مثل حقوق الإنسان والأمن الإقليمي. وبعد تقييم توجهات الحكومة الإيرانية الجديدة، يتعين على الولايات المتحدة وشركائها تقديم مجموعة جديدة من المقترحات للحد من تخصيب اليورانيوم ومخزونات المواد النووية، جنبا إلى جنب مع فرض رقابة صارمة واتخاذ تدابير للتحقق من النيات الإيرانية».
وأعتقد أن هناك كثيرا من الملفات المهمة التي تتطلب من إيران والولايات المتحدة عقد مفاوضات مباشرة حتى يمكن اتخاذ القرارات الصحيحة بشأنها، ويأتي في مقدمتها بالطبع الملف النووي الذي يعد أكثر الملفات حساسية. ولحسن الحظ، يعد روحاني هو الرجل المناسب في المكان المناسب في هذا الشأن، لأنه يعرف كل صغيرة وكبيرة عن هذا الملف وسبق له أن نشر كتابا مليئا بالمعلومات القيمة عن الملف النووي والأمن القومي الإيراني، علاوة على أنه رجل قانون بارز. وعلى هذا الأساس، أعتقد أن هناك فرصة ذهبية لكلا الطرفين للاستماع إلى صوت العقل والحكمة.
وعلى الجانب الآخر، هناك صوت مختلف تماما، لعل أبرز ممثليه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والسفير الأميركي السابق لدى الأمم المتحدة جون بولتون، حيث قال نتنياهو في حديثه مع شبكة «سي بي إس نيوز»: «هناك رئيس جديد في إيران ينتقد سلفه لأنه ذئب في ثوب ذئب، وتكمن استراتيجيته في أن يكون ذئبا في ثوب حمل، وأن يبتسم وهو يصنع القنبلة النووية! إنهم يقتربون من تصنيع القنبلة وينبغي إخبارهم بعبارات لا لبس فيها بأنه لن يسمح لهم بذلك. أعتقد أنه من الأهمية بمكان أن يفهموا أننا لن نسمح بذلك، والخيار العسكري الموجود على الطاولة هو فعلا على الطاولة».
ويقال إنه عندما قام الرئيس أوباما بإرسال خطاب للمرشد الأعلى يقول فيه إن كل الخيارات متاحة على الطاولة (فيما يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني)، قد تلقى ردا غريبا يقول بأنه إذا كانت الولايات المتحدة تدعي أن الخيارات على الطاولة، فيجب عليها أن تتذكر أن إيران لديها خيار وحيد «تحت الطاولة»!
ويبدو أن نتنياهو قد فهم الرسالة بشكل خاطئ، حيث اعتقد أن الخيار الموجود «تحت الطاولة» هو القنبلة النووية! أود الإشارة إلى أن إسرائيل تواجه تغييرا كبيرا في المنطقة، وتملك أكثر من 400 رأس نووية، علاوة على أنها ليست عضوا في الوكالة الدولية للطاقة الذرية ورفضت التوقيع على معاهدة حظر الانتشار النووي على الرغم من الضغوط الدولية، كما أشارت إسرائيل إلى أن توقيعها على معاهدة حظر الانتشار النووي يتعارض مع أمنها القومي.
كل هذا يوضح أن أحمدي نجاد كان كنزا استراتيجيا بالنسبة لإسرائيل، حيث أصبح على مدى سنوات طويلة هو رمز الشر، في الوقت الذي لعب فيه نتنياهو دور الملاك البريء، أما الآن فقد تغيرت قواعد اللعبة وأصبح رئيس إيران الجديد دبلوماسيا محنكا وقانونيا شهيرا يعرف معنى الرسالة التي تلقاها العالم من الانتخابات الإيرانية، وهو ما سيسبب مشكلة بالنسبة لإسرائيل.
وهذا هو ما جعل جون بولتون - المعروف بأنه إسرائيلي أكثر من الإسرائيليين أنفسهم - عاجزا عن إخفاء غضبه فيما يتعلق بفوز روحاني خلال حواره مع صحيفة «جيروزاليم بوست» في السابع من يوليو الحالي، حيث قال: «فكرة أن روحاني سوف يدخل في مفاوضات جدية تظهر أن هذه الإدارة تعيش في كوكب آخر. هناك مفاوضات منذ أكثر من 10 سنوات بشأن البرنامج النووي الإيراني، ومع ذلك تواصل طهران بناء بنية تحتية واسعة وعميقة. روحاني عبارة عن كمين للغافلين وقد سقطنا فيه بالفعل. وأشار بولتون إلى أن الفرق الرئيس بين أحمدي نجاد والرئيس المنتخب «المعتدل» ما هو إلا فرق نظري.
وعلى الرغم من صوت المتطرفين في واشنطن وتل أبيب وطهران، إلا أن هذه الأطراف الثلاثة بحاجة إلى الاستماع إلى صوت الحكمة، فإيران أكبر من العراق وأفغانستان وسوريا ولبنان، ولا يوجد بديل عن التفاوض. علينا أن ننأى بأنفسنا عن المتطرفين، وأن نكون جميعا بشرا في ثوب بشر، فلسنا ذئابا ولا ملائكة.

*نقلاً عن "الشرق الأوسط"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.