.
.
.
.

محاولة إيرانية جديدة للتواصل مع العالم

كاميليا انتخابي فرد

نشر في: آخر تحديث:

كان الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد ميالا إلى المواجهة، لكن الرئيس الجديد حسن روحاني ليس كذلك، فهو أكثر عقلانية. وبينما كان أحمدي نجاد يرد على السؤال بسؤال وكان استفزازيا، فإن روحاني يرد بلطف ودبلوماسية ومن دون تعقيدات.

النيويوركيون الذين اعتادوا على مدى ثماني سنوات رؤية أحمدي نجاد في المدينة في سبتمبر (أيلول) من كل سنة، ويذهبون إلى العمل كل صباح وصورته على صدر صفحات المجلات والصحف، ويشاهدونه كل ليلة على شاشات التلفاز، لن ينسوه بسرعة، إلا أنهم الآن يرغبون في معرفة الكثير عن شخصية روحاني.

وخلال الأسبوع الماضي، أدلى روحاني بأول حديث متلفز لوسائل الإعلام الأجنبية، وكان الحوار مع قناة «إن بي سي» التلفزيونية الأميركية. وجاءت إجاباته دبلوماسية ومباشرة ودقيقة للغاية؛ ومختلفة تماما عن إجابات سلفه، ويبدو أنه كان راغبا في إمتاع الجمهور.

روحاني، وهو رجل دين معتدل، كان قد وعد شعبه باحتواء الأضرار إذا أصبح رئيسا، عاملا بجهد لتحسين صورة إيران في الخارج. وكان أشار إلى أنه يملك مفتاحا لجميع الأبواب المغلقة، ولذا انتظر الناس ما إذا كان سيفتح بوابة العلاقات الإيرانية الأميركية خلال رحلته للولايات المتحدة أم لا.

وصل روحاني إلى نيويورك مساء الاثنين الماضي وألقى أول خطاب له في الأمم المتحدة بعد ظهر الثلاثاء، بعدما ألقى الرئيس الأميركي خطابه في الصباح.

وفي إيران، شهد الأسبوع الحالي الإفراج عن عدد من السجناء السياسيين المعروفين مثل المحامية والناشطة الحقوقية نسرين ستودة، في مبادرة من جانب القضاء لمحاولة تحسين صورة إيران قبيل الزيارة.

بالتأكيد كان المرشد الأعلى آية الله خامنئي وراء هذه الخطوة، إذ من المهم أن نذكر أن الرؤساء الإيرانيين لا يستطيعون فعل أي شيء ما لم يحصلوا على سلطة من المرشد الأعلى. ولا يمكن أن تكون محادثات روحاني وأفعاله حول معالجة القضايا الكبرى مثل النزاع النووي وتحسين علاقات إيران بالدول الغربية والدول المجاورة، لا يمكن أن تكون جادة من دون موافقة آية الله خامنئي على ذلك. وقد أشار روحاني بوضوح إلى أنه قادر على التفاوض بشأن الملف النووي الإيراني. وفي الآونة الأخيرة، نُقل الملف النووي من مجلس الأمن القومي إلى وزارة الخارجية، في خطوة وُصِفت بأنها إيجابية وبناءة للدخول في مفاوضات مع مجموعة «الخمسة زائد واحد». هذا التحول يعني أن الحرس الثوري والاستخبارات لن يشاركا في هذه المسألة بعد الآن، وأن الدبلوماسية سيكون لها دور من الآن فصاعدا. ثم خلال لقاء روحاني بقادة الحرس الثوري الأسبوع الماضي، أشار إلى ضرورة منح دور أكبر للدبلوماسية الخارجية. وفعليا، ما اقترحه روحاني في ذلك الاجتماع هو مطالبتهم بالتحلي بالصبر خلال الأيام المقبلة التي سيسعى خلالها لاتخاذ خطوات كبيرة وجريئة.

الرئيس الإيراني والوفد المرافق له يعرفون جيدا ماذا يريدون من الولايات المتحدة خلال أول زيارة لهم للجمعية العامة للأمم المتحدة، ويسعون لاغتنام هذه الفرصة جيدا.

ولكن طبعا، البعض في إيران، مثل بعض أعضاء البرلمان وقادة ميليشيات «الباسيج» الذين أسسوا أعمالهم وسمعتهم على العداء للولايات المتحدة، لن يسمحوا لروحاني بفعل ما يريد فعله بسهولة، ولن يسمحوا بتطبيع العلاقات الإيرانية الأميركية بسرعة.

ما يسعى إليه روحاني هو أن تكون هناك بيئة داخلية تنعم بالسلام في إيران، بالشكل الذي يمكنه من العمل بصورة تدريجية مع الدول الغربية بشأن النزاع النووي. وهو جاء إلى نيويورك لإقناع العالم بأن إيران مستعدة وملتزمة بوضع حد لهذه المفاوضات النووية بطريقة سلمية.

ويبدو أن روحاني كان يمهد الطريق للخطوات الكبيرة التي سيتخذها أثناء وجوده في نيويورك. وكونه يحظى بدعم آية الله خامنئي، فهذا ما سيجعل الأمور أكثر سهولة بالنسبة له. وفي جلسة علنية خلال الأسبوع الماضي، حثّ آية الله خامنئي قادة الحرس الثوري على فهم السياسة، محذرا في الوقت ذاته من عدم التدخل في الأمور السياسية. بعد الخطاب الأخير للمرشد الأعلى، سيعود الحرس الثوري، على الأرجح، إلى ثكناته كقوة عسكرية ويبقى بعيدا عن الحياة السياسية لبعض الوقت. بالطبع لن يستيقظ خامنئي فجأة ويقرر تغيير نفسه أو منح الرئيس الجديد مزيدا من الحرية والسلطة، لكن الحقيقة هي أن خامنئي فطن إلى أن هناك بعض الفرص التي ينبغي استغلالها فورا قبل فوات الأوان.

روحاني يحاول اليوم بث الثقة والأمل في المجتمع الإيراني الذي انفصل عن النظام وأصبح لا يعبأ بأي شيء له علاقة بالنظام والحكومة. وهنا يذكر أنه عندما توجه الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك عام 1997، كان العالم أجمع متحمسا لرؤية تقدم في العلاقات الإيرانية الأميركية، ولكن للأسف لم يحدث أي شيء. يومها ما كان خاتمي يحظى بالدعم الذي يتمتع به روحاني اليوم، علاوة على الاختلاف الواضح بين شخصية خاتمي وروحاني.

لن يرفض روحاني مصافحة أوباما، ولكنه لن يجلس معه على طاولة المفاوضات لمناقشة العلاقات بين البلدين. ولو كان مسموحا لروحاني بمصافحة الرئيس الأميركي وتبادل التحية معه فقط، فمسموح له بمقابلة دبلوماسيين غربيين آخرين والتفاوض معهم بشأن العقوبات المفروضة على طهران والملف النووي الإيراني. وبالفعل، بدأ وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف لقاءاته بعدد من الدبلوماسيين الأجانب البارزين في نيويورك قبل أسبوع. ولعل الشيء المرجح بقوة الآن هو تخلي إيران عن تخصيب اليورانيوم بالدرجة العالية ونقل مخزونها من اليورانيوم المخصب بنسبة 20 في المائة مقابل رفع العقوبات المفروضة عليها من قبل الاتحاد الأوروبي والعقوبات المفروضة على البنك المركزي لكي يستعيد الاقتصاد الإيراني عافيته، ثم تحاول إيران الوصول لحلول أخرى. في المقابل، على روحاني العودة إلى طهران منتصرا لكي تبقى له اليد العليا على المحافظين المتطرفين الذين يتحرقون للانقضاض عليه إذا لم ينجح!

سيكون أسبوعا مثيرا للاهتمام بالنسبة لسكان نيويورك والعالم أجمع.

*نقلاً عن "الشرق الأوسط" اللندنية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.