.
.
.
.

المسألة الإيرانية أمام أوباما

جميل مطر

نشر في: آخر تحديث:

يختلف المتابعون لتطور السياسة الخارجية الأمريكية على أمور كثيرة ضمن عملية صنع هذه السياسة، يختلفون على الأهداف والمناهج والأولويات، ولكنهم لا يختلفون حول دور مراكز البحث والعصف الفكري في صنع هذه السياسة . هناك بطبيعة الحال مراكز تؤثر أكثر من غيرها، ربما لأنها ارتبطت بعلاقات متينة بمراكز القوة في البيت الأبيض والبنتاغون، والحزب الحاكم، وربما لأنها، في مرحلة معينة، استطاعت تجنيد خبرات وكفاءات أثبتت كفاءة ونظرة ثاقبة في فهم الشؤون الدولية وتحليلها، وفي تقديم توصيات متوازنة ورشيدة .

كتبت هذه المقدمة بعد أن اطلعت على التقرير المرفوع من أحد أشهر مراكز البحث في الولايات المتحدة إلى الرئيس باراك أوباما . التقرير يحتوي على توصيات في شكل رسائل يبعث بها خبراء وباحثون يعملون في مؤسسة بروكنغز إلى الرئيس الأمريكي . بعض الرسائل تركز على قضايا تبشر تطوراتها الأخيرة بآمال طيبة في المستقبل، والبعض الآخر يركز على قضايا يحتمل أن تثير مشكلات بلا حدود وتسبب "كوابيس" لسكان البيت الأبيض والعاملين فيه .

اخترت من بين الرسائل، وأغلبها بالغ الأهمية، رسالة من سوزان مالوني الخبيرة في الشؤون الإيرانية إلى الرئيس أوباما تدعوه فيها إلى زيادة الاهتمام بإيران وتوسيع آفاق عمليات التقارب الجارية حالياً . وتقدم مبررات وتشرح خلفيات وتفند أفكاراً وأوهاماً، وفي الوقت نفسه تحذر .

تعتقد سوزان أن "عملية روحاني" تعود إلى سنوات عشر خلت، عندما كان روحاني يعرض في المفاوضات أفكاراً يعتبرها الغرب متقدمة ومعتدلة، ويعتبرها المتشددون في إيران مهينة وضارة . لعل سوزان أرادت الإيحاء، وربما الثناء على أوباما، حين كانت في رسالتها تلمح إلى أن الغرب، وبخاصة الولايات المتحدة، كان وراء "تلميع" صورة روحاني داخل إيران أملاً في أن يصل ذات يوم إلى منصب الرئاسة .

لا تنكر الباحثة أن هدف السياسة الأمريكية تجاه إيران، وبخاصة خلال الولاية الأولى لأوباما، كان إقناع الإيرانيين بجدوى تعديل سياساتهم الداخلية والإقليمية لمصلحة الاستقرار، ويبدو واضحاً من التحليل الذي تقدمه أن القيادة السياسية الإيرانية اقتنعت، وإن بصعوبة ووسط خلافات شديدة وبعد وقت طويل، بأن أمريكا كانت صادقة النية حين منعت "إسرائيل" من التدخل عسكرياً وأن البيت الأبيض بالتحديد وقف عائقاً أمام جهود "إسرائيل" "تجييش" المجتمع والسياسة الأمريكية ضد إيران . يعلمون في إيران أن إدارة أوباما دفعت ثمناً غالياً من علاقاتها بالكونغرس ويهود أمريكا بسبب إصرارها على حماية إيران ضد تدخل عسكري "إسرائيلي" .

من ناحية أخرى، لم يكن ممكناً أن تستمر إيران في سياسة التحدي للغرب، وإن كانت الباحثة الأمريكية تقلل من أهمية عامل الحصار الاقتصادي والمقاطعة . محللون كثيرون يشتركون مع الباحثة من بروكنغز في الاعتقاد بأن إيران نفسها شعرت بأن سياسة التحدي، سواء على المستوى الإقليمي أو على الصعيد الدولي، لم تحقق لإيران مصالح وطنية كبرى، بل كادت تتسبب في توترات اجتماعية وسياسية خطرة وهددت بالفعل التماسك الشعبي . ليس غريباً الرأي القائل إن روحاني يتصرف الآن كما لو كان رئيساً لحكومة وحدة وطنية . دليل هؤلاء هذا التقارب الطارئ بين مختلف التيارات لدعم حملة ترشيحه، ومساعدته خلال الفترة العصيبة التي يمر بها الاقتصاد الإيراني . يجوز القول أيضاً إن روحاني يتمتع الآن بسلطة حقيقية في إيران تتجاوز السلطات التي كان يتمتع بها أحمدي نجاد .

تتوجه سوزان في رسالتها بتوصية إلى الرئيس أوباما تدعوه فيها إلى أن يساعد روحاني قبل أن يفلت منه ميزان القوى الداخلي، كما أفلت من الرؤساء السابقين . المهم أيضاً في نظرها أن يحتفظ أوباما بالمكانة المتقدمة التي صارت تحظى بها قضية إيران في جدول أعمال سياساته الخارجية خلال الفترة المتبقية من ولايته الثانية، وأن يضاعف مقاومته للضغوط الداخلية التي تحاول بث الوقيعة بينه وبين القيادة الجديدة في طهران، وأن يواصل تهدئة خواطر حلفاء أمريكا الإقليميين في الشرق الأوسط حتى ينجز المهمة الملقاة على عاتقه . أما المهمة فهي إقناع إيران بالفوائد القصوى التي ستعود عليها إن توقفت عن ممارسة سياسات في المنطقة تثير عدم استقرار . السبيل إلى ذلك، كما تنصح سوزان، وهو بالضبط ما ينصح به دبلوماسيون مخضرمون في انجلترا وألمانيا، هو "أن تقوم الدبلوماسية الأمريكية بتوسيع آفاق المفاوضات الجارية حالياً مع إيران وعدم قصرها على الموضوع النووي" .

سيكون واجباً على إدارة أوباما إقناع الأطراف الإقليمية في الشرق الأوسط أن نمط التحالفات التقليدي القائم في المنطقة لم يعد بالضرورة النمط الأمثل لحماية الاستقرار والمصالح الوطنية لدول الإقليم . هذه مهمة شاقة وصعبة، وإن كانت الخطوة الأولى بدأت تتحقق وهي زوال خطر التهديد النووي، وتفادي نشوب حرب مكلفة بشرياً ومادياً . ولكن الاستمرار في تنفيذ هذه المهمة باستخدام الدبلوماسية التقليدية ومنهج الخطوة خطوة مع أهميتهما لن يكون ممكناً . ولذلك تتنبأ مؤسسة بروكنغز، أو لعلها توصي، بأن الرئيس أوباما سوف يجد نفسه مضطراً في وقت قريب إلى الاستعانة بمبعوث شخصي يتفرغ كلية لاستكمال "المهمة الإيرانية" .

الطريق طويل، خاصة أن وزير الخارجية الأمريكية مازال منشغلاً بمهمة أخرى " متعثرة حتى الآن "لتسويق اتفاق فلسطيني - "إسرائيلي"، وأن معظم الأطراف الدولية والإقليمية مازالت، وستبقى لمدة غير قصيرة، منشغلة في جنيف وخارجها بالمسألة السورية .

ومع ذلك، يبدو أن القوى الكبرى سوف تعكف قريباً على دعوة جميع الأطراف لانتهاز فرصة "جنيف 2" لطرح قضايا أخرى معقدة . من هذه القضايا قضية دمج إيران في الإقليم سلمياً وتوافقياً ضمن شبكة تفاهمات "تاريخية" يجري التحضير لها . إذ لا ننسى، أو يجب ألا نغفل عن حقيقة أن إيران طرف أساسي في المسألة السورية، وربما في مسألتي العراق ولبنان وكلتاهما متفجرة، وفي المسألة الكردية . وهي أيضاً لا تكل ولا تتعب في أن تكون طرفاً أساسياً، وبأي شكل من الأشكال، في المسألة المصرية . أقصد بالمسألة المصرية تحديداً السعي الحثيث من جانب أطراف عدة للتعجيل بعودة مصر إلى ممارسة دور تعتقد هذه الأطراف، وبعضها كما نعرف، متناقض المصالح والأهداف وربما النوايا مع البعض الآخر، أن مصر تستحقه وهو يستحقها .

* نقلا عن "الخليج" الإماراتية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.