.
.
.
.

لمَ تسترت رئيسة الأرجنتين السابقة على إيران وحزب الله؟

نشر في: آخر تحديث:

سلطت قضية إصدار قاض أرجنتيني أمراً بإلقاء القبض على الرئيسة السابقة للبلاد كريستينا فرنانديز، لاتهامها بالتستر على دور #إيران و #حزب_الله بتفجيرات المركز اليهودي في العاصمة بوينس آيرس، في 18 تموز/يوليو 1994 والتي سقط فيها 85 قتيلاً و300 جريح، الضوء على علاقاتها بنظام طهران والصفقات التي أبرمتها مع هذا النظام.

تفجيرات بوينس آيرس
تفجيرات بوينس آيرس

وقاد الهجوم إبراهيم حسين بيرو، من عناصر ميليشيات حزب الله اللبناني، المدعومة من إيران، بشاحنة مليئة بـ606 أطنان من نترات الأمونيوم ووقود النفط إلى داخل المبنى المعروف باسم "آميا".

ومنذ عام 2004 حتى 2015، سعى ألبرتو نيسمان لكشف الحقيقة وراء هذه الهجوم وقد خلص من التحقيق الذي أجراه إلى أن إيران تولت التخطيط له. ويصر نيسمان على أن كريستينا فرنانديز تقف خلف عملية تعتيم هدفت إلى التغطية على الدور الإيراني، بسبب صفقات اقتصادية عملاقة وعلاقات حكومتها بروابط شعبوية بإيران وتكتل الدول البوليفارية بقيادة فنزويلا.

ودعا القاضي كلاوديو بوناديو، الأسبوع الماضي، مجلس الشيوخ الأرجنتيني إلى رفع الحصانة عن فرنانديز، حيث يجب أن يصوت ثلثا أعضاء المجلس لهذا القرار ليتسنى محاكمتها بقضية التفجيرات الدامية التي نفذها عناصر من ميليشيات حزب الله اللبنانية بأوامر مباشرة من إيران، وفق القضاء الأرجنتيني.

كما أصدر القاضي مذكرات اعتقال بحق كل من سكرتيرة الرئيسة السابقة وسياسي آخر مقرب من فرنانديز يدعى لوئيس ديليا، لاتهامهما بالتورط بالقضية.

إضافة إلى ذلك، يخضع هكتور تيمرمان، وزير الخارجية السابق، بسبب المرض في الإقامة الجبرية لاتهامه بالتواطؤ مع الرئيسة السابقة بنفس الملف.

ويطالب القضاء الأرجنتيني بتسليمه ثمانية مسؤولين إيرانيين، بينهم علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد للشؤون الدولية والذي كان وزيراً للخارجية حينها، ووزير الدفاع السابق، أحمد وحيدي، لمحاكمتهم بتهمة الضلوع بالتدبير لتلك التفجيرات.

فرنانديز والمسؤولين الإيرانيين المتهمين بتفجير أميا
فرنانديز والمسؤولين الإيرانيين المتهمين بتفجير أميا

مقتل القاضي الذي اتهم فرنانديز

في 18 كانون الثاني/يناير 2015 وُجد ممثل الادعاء العام، القاضي ألبرتو نيسمان، مقتولاً في شقته، وهو الذي كان قد بادر بتوجيه تلك الاتهامات لفرنانديز، حيث قال إنها عملت في الخفاء لتبرئة إيران وتطبيع العلاقات معها، لإبرام صفقات نفط مع طهران، وكان مقتولاً بالرصاص في شقته في بوينس آيرس، وتم تصنيف وفاته على أنها انتحار على الرغم من أن مسؤولاً يحقق في القضية قال بعد ذلك إن إطلاق النار عليه يبدو جريمة قتل.

وعثر على جثة نيسمان قبل ساعات من تقديمه إفادة للكونغرس بشأن اتهامات لفرنانديز بمحاولة التستر على دور إيران في تفجير شاحنة في مركز (إيه.إم.آي.إيه) اليهودي في بوينس آيرس، وذلك بالرغم من تعيين فريق حراسة مؤلف من عشرة أفراد لحمايته.

ووقع ذلك. وبعد ساعات، أعلنت فرنانديز أن نيسمان انتحر، وبعد أيام، زعمت بأن الانتحار كان بسبب خلاف بينه وبين حبيبته. لكن بعد ذلك بفترة غيرت قصتها من جديد وقالت إن الوفاة ربما تكون قد وقعت على أيدي "عملاء استخباراتيين مارقين".

وازادت الشكوك بعد شهادات أصدقاء نيسمان الذين قالوا إنه كان سعيداً ومتوتراً بنفس الوقت بخصوص جلسة الاستماع، لكنه لم يكن قط في مزاج انتحاري.

ومع ذلك، سبق وحذر نيسمان في لقاء مع صحيفة محلية من أن هذه القضية يمكن أن تتسبب في موته.

صفقة مع إيران

ويشير تقرير نيسمان إلى أن فيرنانديز ووزير خارجيتها، ومسؤولين رسميين آخرين أعادوا فتح قناة محادثات مع إيران لعقد صفقة يتم بموجبها تبادل الحبوب بالنفط الإيراني الذي تحتاج إليه بوينس آيرس بشدة، وذلك بعد تراجع إنتاج الأرجنتين النفطي ما أجبرها على البدء في استيراد الطاقة في عام 2010 وجعلها منذ ذلك الحين تنفق 50 مليار دولار على سد العجز في الطاقة.

وكتب نيسمان في تقريره: "كانت [الصفقة الإيرانية المقترحة] تحمل ختم الموافقة من الرئيسة [الأرجنتينية]. كل شيء تمت الموافقة عليه، وكانت قضية المركز اليهودي ستستخدم بيدقاً لإرضاء مصالح جيوسياسية. بدون الالتفات إلى الدلائل، كان سيجري إخراج الحقائق، أو المسؤولية الحقيقية عن الهجوم والمواطنين الإيرانيين وغسل أيادي #إيران من القضية، وقد تم اتخاذ قرارات بهذا الشأن من قبل أعلى المستويات في البلدين".

وتطرق رئيس #الأرجنتين السابق نيستور كيرشنر، في كلمة ألقاها عام 2007 في الأمم المتحدة، إلى انتقاد إيران لعدم تسليم المجرمين المشتبه بهم.

وفي عام 2008، بعد عام خلف كريستينا فيرنانديز زوجها كيرشنر في رئاسة البلاد، وفي نفس الوقت أمر نيسمان بالقبض على كارلوس منعم، رئيس البلاد السابق في وقت الهجوم، بتهمة عرقلة سير العدالة، لكن كل شيء تغير بعد وفاة كيرشنر في عام 2010.

ووفقاً لتقرير نيسمان، فقد بدأت محادثات سرية مع إيران بنفس العام وبلغت ذروتها في اتفاق مثير للجدل عام 2013 لإقامة ما يسمى "لجنة الحقيقة" للتحقيق في دور إيران في التفجير. لكن مع موت نيسمان، عام 2015 أخذت القضية منحى آخر حيث كشفت التحقيقات عدم وجود أي آثار لمسحوق البارود على يده، ما ينفي قضية انتحاره ويرجح احتمال تصفيته، وفق متابعين للقضية.

أدلة أخرى

وهناك أدلة أخرى يطرحها الادعاء في القضية وهو تسجيل صوتي لوزير الخارجية في عهد فرنانديز يقر فيه بمسؤولية إيران عن التفجير.

كما أدلى رامون آلان بوغادو، الذي يدعي أنه عمل لبعض الوقت عميلاً للاستخبارات الأرجنتينية وأحد من شملهم قرار الاتهام الأخير، بشهادته الشهر الماضي حول أن القناة الخلفية تضمنت ترتيبات تقدم الأرجنتين بمقتضاها لإيران تكنولوجيا نووية، مع الاعتماد على شركات واجهة داخل الأرجنتين والأوروغواي لإجراء مثل هذه الصفقات.

اتهام إيران بـ"جريمة حرب"

وجاء في قرار الاتهام الذي أصدره القاضي الفيدرالي كلاوديو بوناديو، من 491 صفحة ضد فرنانديز ووزير خارجيتها هيكتور تيمرمان، ورئيس الاستخبارات في عهدها وكبير مستشاريها القانونيين، واثنين من النشطاء المؤيدين لإيران و10 آخرين، أن الهجوم ضد المركز اليهودي يعتبر "عمل حرب" من قبل إيران.

أما المسؤولون الإيرانيون المتهمون في القضية فهم الرئيس الإيراني السابق الراحل، علي أكبر هاشمي رفسنجاني، ووزير الاستخبارات السابق، علي فلاحيان، ووزير الخارجية السابق، علي أكبر ولايتي، وقائد الحرس الثوري السابق، أحمد وحيدي، والملحق الثقافي الإيراني لدى الأرجنتين، محسن ربّاني، والسكرتير الثالث في السفارة الإيرانية في بيونس آيرس، أحمد رضا أصغري، بالإضافة إلى القائد السابق لشؤون الأمن الداخلي في حزب الله، عماد مغنية.

وفي 18 تموز/يوليو 2017، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية في الذكرى السنوية الثالثة والعشرين لتفجير مبنى الجالية اليهودية في الأرجنتين أن إيران تقف وراء التفجير ودعت إلى متابعة التحقيق حول وفاة ألبرتو نيسمان، قاضي القضية. وفي الوقت الذي أعربت فيه الوزارة عن تعاطفها مع أسر الضحايا، أكدت الحاجة إلى تنفيذ العدالة بحق مرتكبي التفجير في أميا.

أنشطة إيران المخربة في أميركا اللاتينية

وتتهم السلطات الأرجنتينية إيران بنشر شبكات إرهابية وتنفيذ عمليات قتل، إلى جانب إخفاء حقائق التفجيرات، وإقامة خلايا استخباراتية في معظم دول أميركا اللاتينية.

وفي أيار/مايو 2013، أصدر لائحة اتهام في 500 صفحة تشرح كيف اخترقت إيران ليس الأرجنتين فحسب، وإنما كذلك البرازيل والأوروغواي وتشيلي وغيانا وباراغواي وترينيداد وتوباغو وسورينام، وكيف استغلت المساجد ومنظمات الخدمة الاجتماعية وسفاراتها في نشر الفكر الراديكالي وتجنيد إرهابيين.

وكان القاضي نيسمان قد قدم معلومات ساعدت السلطات الأميركية على تحديد أن محسن رباني، الملحق الثقافي بالسفارة الإيرانية وأحد العقول المدبرة لهجوم "آميا"، عاون أربعة رجال، بينهم مسؤول من غيانا يدعى عبد القدير، على التخطيط لنسف خطوط الوقود داخل مطار كيندي الدولي في نيويورك. ويقضي عبد القدير حالياً عقوبة السجن مدى الحياة داخل الولايات المتحدة عن دوره في هذا المخطط الذي تم إحباطه، والذي كان يمكن أن يسفر عن مقتل أعداد لا تحصى من الأرواح.

كما أن تفجير السفارة الإسرائيلية في العاصمة الأرجنتينية بوينس آيرس عام 1992، بسيارة شحن مفخخة بجانب مبنى السفارة، وقتل حينها 29 شخصاً وجرح حوالي 300 آخرين، فتح الباب لاتهام المُخابرات الإيرانية وقتها بتدبير التفجير كعقوبة للأرجنتين على تراجعها عن صفقة تكنولوجية مع إيران استجابة للضغوط الأميركية.
وسرعان ما أعلنت "منظمة الجهاد الإسلامي"، التابعة لحزب الله اللبناني والمدعومة من إيران، مسؤوليتها عن التفجير، كرد على مقتل زعيمها عباس الموسوي، ونجله في هجمة جوية إسرائيلية في شباط/فبراير 1992، فيما أكدت تحقيقات السلطات الأرجنتينية إلى أنه قبل عام من مقتل الموسوي علقت الحكومة الأرجنتينية شحن المواد الخام النووية إلى طهران بسبب ظهور بعض المؤشرات على عدم سلمية برنامجها النووي.

وحاولت إيران النفوذ في دول أميركا اللاتينية منذ الثمانينيات لكن سياستها تعرقلت نتيجة التوتر بسبب تفجيرات الأرجنتين، لكنها أعادت انتشارها بعد تجديد العلاقات مع بوينس آيرس في عهد كريستينا فرنانديز حيث بلغ النفوذ الإيراني هناك ذروته في عهد الرئيس الإيراني السابق، محمود أحمدي نجاد.

وتهدف إيران من هذا النفوذ كسب تأييد دول أميركا اللاتينية للمواقف الإيرانية في المحافل الدولية، وبخاصة أحقيتها في امتلاك سلاح نووي، وتستغل السياسات المعادية للولايات المتحدة لكسب المزيد من الأوراق للتفاوض مع واشنطن.